تقارير

طائرات غزة وسياسة الأرض المحروقة

تخضع الحياة البشرية بكل مقوماتها ومكوناتها لـ “قوانين” تنظم مسيرتها وطريق سيرها، نحو النهاية ربما.. حتى الحروب تخضع لقوانين ومعاهدات يُمنع اختراقها أو تجاوزها؛ ولكنها أيضًا تحوي في طياتها أوامر عسكرية وسياسات يُجيز من خلالها المُهاجم، لنفسه خارجًا عن القانون، قتل الضحية أو انتهاك القواعد والمنظومات الإنسانية.

وعبر عدة سنوات لم يلتزم الاحتلال الإسرائيلي بأي قواعد أو قوانين حقوقية وإنسانية، أو شرائع دولية في حروبه التي شنّها على قطاع غزة، واستخدم قنابل وأسلحة محرمة دوليًا، لا سيما في قتله للأبرياء والمدنيين على الحدود الشرقية لقطاع غزة، وقبل ذلك في حربه على غزة واغتيال القادة في الضفة الغربية، وسبق كل ذلك جريمة إحلال شتات المستوطنين اليهود مكان الفلسطينيين (السكان الأصليون) بعد النكبة (1948) والنكسة (1967)، وما تبعهما من حروب وجولات قتال.

وتستخدم غزة بمقاومتها السلمية المستمرة منذ نحو 4 شهور؛ وربما دون تخطيط أو إعلان واضح، سياسة عسكرية تواجه بها أطول احتلال عرفه تاريخ البشرية. تلك السياسة تقوم على مبدأ “الأرض المحروقة”، والتي استخدمها الاحتلال ضد قطاع غزة عدة مرات، لا سيما في حرب 2014، وجاء اليوم دور غزة لكي تستخدمها عبر أداة مقاومة بسيطة عظيمة.

ويُشار إلى أن قطاع غزة، قد تعرض لثلاثة حروب مدمرة؛ (2009، 2012 و2014)، أودت بحياة 3 آلاف و920 فلسطينيًا؛ بينهم 1030 طفلًا و604 سيدات. وتركت تلك الحروب قطاع غزة رقعة أرض تستحيل معها الحياة؛ لا سيما بعد الدمار الذي لحق بكل البنى التحتية، لم تسلم منه المشافي والمدارس والبلديات.

ومن الجدير بالذكر أن تدمير الإمدادات الغذائية للسكان المدنيين في منطقة الصراع قد حظر بموجب المادة 54 من البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977.. وهو ما خرقه الاحتلال على مدار 70 عامًا من احتلال لفلسطين بمساحتها الـ 27 ألفًا و27 كيلومترًا مربعًا.

ووفقًا لكتابات تاريخية وثقت لحظات في صراع بالتاريخ البشري، فإن مصطلح الأرض المحروقة استُخدم لأول مرة في عام 1937م باللغة الإنجليزية، أثناء كتابة تقرير عن الحرب الصينية اليابانية.

حيث يشير هذا المصطلح إلى استراتيجية عسكرية تستخدم لمنع العدو الغازي على البلاد من استخدام أيّة مصادر في الدولة، فيتمّ حرق وتدمير كافة المحاصيل الزراعية والمصادر الأخرى التي قد تكون ذا فائدة للعدو.

إذن فهي استراتيجية عسكرية أو طريقة عمليات يتم فيها “إحراق” أي شيء قد يستفيد منه العدو عند التقدم أو التراجع في منطقة ما.. وكذلك تفعل غزة بـ “طائراتها الحارقة” في أرضنا المحتلة من قبل عدونا “الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه”.

وقد كان المصطلح يشير إلى إحراق المحاصيل الفلاحية لعدم استعمالها من طرف العدو كمؤونة أما الآن فهو يشير إلى إحراق المنتوجات الغذائية وتدمير الهياكل الأساسية مثل المأوى والنقل والاتصالات والموارد الصناعية. وقد تُتبع هذه السياسة في أرض العدو أو في أرض المُقاوم.

ويمكن للمفهوم أن يتداخل مع تدمير موارد العدو بشكل “عقابي”، وهو ما يحدث كاستراتيجية بحتة لأسباب سياسية بدلًا من الاستراتيجية التنفيذية.. وهو ما حدث عندما أحرق فلسطينيون معدات الاحتلال العسكرية وبعض مقراته وأدواته على الحدود مع غزة.

يتواصل الحصار بمختلف أشكاله على غزة منذ عام 2006؛ والذي أسفر هو الآخر عن وفاة المئات من الفلسطينيين الذين لا حول لهم ولا قوة.. وفي خضم هذا وذاك ارتقى لجوار الرحمن أطفال وشيوخ بسبب منع الحليب والدواء، جرّاء إجراءات عقابية قررتها السلطة الفلسطينية وحكومتها في الضفة الغربية المحتلة، لذلك فإن الموت في غزة “واحد” وله من الأسباب الكثير.

ومن وسط الحصار الخارجي والداخلي، أبدعت غزة، كعادتها، بـ “مسيرات العودة”؛ والتي انطلقت يوم الجمعة الأخيرة في شهر مارس الماضي (30 آذار/ مارس) على الحدود الشرقية للقطاع، بالتزامن مع الذكرى الـ 42 ليوم الأرض الفلسطيني، مطالبة بحق العودة والذي أقرته الأمم المتحدة وما صدر عنها من قرارات في هذا الجانب، وبكسر الحصار البري والبحري والجوي عن قطاع غزة والذي يعتبر مخالفة صريحة لكل الأعراف والمواثيق الدولية؛ لا سيما تلك المتعلقة بحرية الحركة والتنقل.

وقد نجحت تلك الفعالية السلمية، والتي جسدت حقًّا أقرته الشرائع الدولية أيضًا؛ المقاومة بكافة أشكالها، في “تعرية” صورة وحقيقة دولة الاحتلال، وبالأخص التعامل “العنيف” والعسكري مع مظاهرات سلمية تخلو من أي سلاح أو أدوات تُهدد “أمن وسلامة” جنود وقوات الاحتلال، الذين يتمركزون أصلًا خلف السياج الأمني الفاصل بين الداخل الفلسطيني المحتل 48 وقطاع غزة المحاصر.

واتخذ الفلسطينيون خلال مسيرة العودة الكبرى، طرقًا جديدة لمقاومة الاحتلال باتت أكثر نجاحًا من الحجر، من خلال استخدام الطائرات الورقية والبالونات المحملة بالزجاجات الحارقة.

وتسببت تلك الطائرات، بإحراق مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية التي استولى عليها المستوطنون وقاموا بزراعتها بالقمح والشعير، وكذلك باحتراق مئات الدونمات من الغابات، ما كبد الاحتلال خسائر مالية بالغة بسبب احتراق محاصيلهم، واضطرار بعضهم إلى حصادها بشكل مبكر.

وتتناقل وسائل الإعلام العبرية صورًا ومقاطع فيديو لـ “الخراب” الذي أحدثته وتُحدثه الطائرات والبالونات الحارقة التي يُطلقها نُشطاء فلسطينيون من قطاع غزة باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة القريبة من القطاع (ما يُعرف إعلاميًا بـ “مستوطنات غلاف غزة”).

وتُظهر تلك الصور حجم ومدى الخسائر التي مُني بها الاحتلال جرّاء “أداة” بسيطة في عملها عظيمة في نتائجها. وكأن النشطاء أرادوا الدخول في “مواجهة عسكرية” بوسائل “سلمية” أدى استمرار استخدامها لـ “تخبط إسرائيلي”؛ سواء في الرد أو طريقة المواجهة.

وقد خصص الإعلام العبري على مدار 4 شهور جزءًا من تغطيته لـ “آثار الدمار” الذي أحدثته تلك الطائرات، إلى جانب الوسائل التكنولوجية والعسكرية التي دأبت حكومة الاحتلال على اتباعها لمحاولة وقف الطائرات والبالونات الحارقة.

ودمرت “الهجمات الحارقة”؛ وفق الصحافة العبرية، مساحات واسعة من الأراضي، حيث تشير التقديرات الأولية إلى احتراق حوالي 17 ألف دونم و500 متر من الأراضي خلال شهري حزيران وأيار.

وأفاد موقع “0404” العبري المقرب من جيش الاحتلال، أمس الإثنين، بأنه فد اندلع أكتر من 15 حريقًا، في أحراش يُسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي بـ “غلاف غزة” بفعل طائرات وبالونات حارقة.

وقالت قناة “كان” العبرية، إن خسائر الاحتلال جراء الطائرات الورقية والبالونات الحارقة قد بلغت 8.5 مليون شيكل، مبينة أن النيران طالت أكثر من 5 آلاف دونم زراعي منذ بداية إطلاقها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق