ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

فقد الأحباب وأمل اللقاء الذاوي

يعيش الأسير متشبثًا بأمل لقائه بأحبابه، مهما ادلهمت عليه الخطوب، ثم يأتي الموت فيختطف منه ذلك الأمل، الذي يذوي كما ذوت روح المحبوب.

توفيت أمس زوجة الأخ الأسير (صالح موسى) المحكوم بالسجن (17) مؤبّدًا، فرّج الله كربه، وقد توفيت فجأة، مما يجعل وقع الوفاة على من حولها أعظم من تلك التي تكون بعد أمراض تمهد لذلك.

الأوجاع التي يشعر بها الأسير في مثل هذه الحالات ليست شيئًا قابلًا للوصف، مهما امتلك الكاتب من بلاغة الكلمات، وتَخيُّلُ كيفية استقباله للخبر أمر قد يستعصي على من لم يشاهد مثل تلك الحالات.

لقد أعادتني حادثة وفاة الأخت (أم إسلام) رحمها الله إلى حادثة أخرى شبيهة بها لا أزال أستشعر الحزن كلما تذكرتها، وسأقصها ليعلم القارئ مدى القهر الذي يعانيه إخوانه الأسرى.

يومها كنا في سجن (أيالون) في الرملة، وذلك في أواخر سنة (2007)، وكان معنا في نفس القسم الأخ إبراهيم غنيمات (أبو فادي)، والذي كان موقوفًا حينها وحكم بعدها بالسجن المؤبد مدى الحياة.

كان أبو فادي يعشق زوجته (أم فادي) عشقًا، وقد عشت وإياه في نفس الغرفة فترة من الزمن، وكالعادة فالأحاديث تدور بين الأسرى عن ذكرياتهم وأحبابهم، وكان أبو فادي يحدثنا عن قصة زواجه من زوجته، وكيف واجه معارضة من بعض من حوله، حتى اضطر إلى الهرب من أهله إلى الأردن بعدما انتقلت أم فادي – وهي فتاة – إلى هناك، وبعد محاولات عديدة لم ييأس خلالها وبقي مصرًّا على الارتباط بها رضخ الجميع وتزوج أبو فادي من الفتاة التي كان يحبها.

مرت السنوات وانخرط أبو فادي في العمل الجهادي، وكان عضوًا في خلية صوريف المشهورة، وعندما تم اعتقال عدد من أعضاء تلك الخلية أثناء نقلهم من سجن السلطة في الخليل إلى سجنها في أريحا لم يكن أبو فادي معهم، وعاش بعدها نحو (10) سنوات بين سجون السلطة والمطاردة، حتى وقع أسيرًا سنة 2005، في رحلة المعاناة تلك كانت (أم فادي) رفيقة دربه التي لم تخذله يومًا، مما زاد من حبه لها وتمسكه بها.

وفي سجن الرملة – حيث كنّا – كانت أم فادي تزور زوجها كلما سنحت لها الفرصة وحصلت على تصريح للزيارة، وأذكر أنها زارته قبل فترة ليست طويلة من وفاتها، لعلها كانت أقل من شهر، وأخبرته حينها أنها ستجري عملية جراحية ليست خطيرة، ولذلك ستتغيب عن الزيارة اللاحقة.

لم يكن لدينا في سجن الرملة وسائل تواصل مع أهلنا عبر الهواتف المهربة كما كان في سجون أخرى، ولذلك كان التواصل بين الأسرى وأهلهم يتم عبر الزيارات، وعبر الرسائل الإذاعية التي كانت تصلهم من خلال أثير الإذاعات التي تخصص برامج لأهالي الأسرى يبعثون من خلالها أخبارهم إلى أحبابهم وراء القضبان، وفي موعد برنامج الأسرى يكون أغلبهم عاكفين على أجهزة المذياع التي لديهم أملًا أن يستمعوا لصوت أحد أحبابهم، وكما هو معلوم فإن البرنامج عادة لا يستوعب استقبال مكالمات إلا من عدد محدود من أهالي الأسرى، قد يصل إلى (10) من بين أهالي آلاف الأسرى القابعين وراء القضبان.

وفي إحدى الليالي وبينما كان بعض الأسرى يستمعون للبرنامج أذيعت مكالمة فيه موجهة للأسير (إبراهيم غنيمات) من طرف أهله، وكان أبو فادي في غرفة (8) حينها، فنادى أحد الشباب من غرفة (10) في القسم أن هناك مكالمة لـ (أبي فادي) على الراديو، ومن لطف الله أن أبا فادي ومن في غرفته لم يسمعوا المناداة، ولم يستمعوا لتلك المكالمة، والتي كانت تتضمن الخبر بوفاة (أم فادي) رحمها الله، وتطلب ممن يصله الخبر تبليغ (أبي فادي) به، وقد وقع الخبر على الإخوة الذين استمعوه وقع الصاعقة، فقد كنا حينها كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، ومرت الليلة عليهم ثقيلة ثقيلة، وهم يتفكرون كيف سيتم نقل هذا الخبر الحزين الأليم.

وفي صباح اليوم التالي قام الشباب الذين استمعوا الخبر بإبلاغه للإخوة من كبار السن والشخصيات الاعتبارية في القسم، وكان قسمنا حينها يضم نحو (15) أخًا من الوزراء وأعضاء المجلس التشريعي.

ما أصعب أن توكل لك مهمة تبليغ شخص بوفاة محبوب له، حتى لو كان ذلك في الأوضاع الطبيعية، فما بالكم بما إذا كان المطلوب تبليغه أسيرًا لا يملك إلا القهر يأكل قلبه.

وكان لا بدّ مما ليس منه بدٌّ، فاجتمعنا في ساحة القسم، وكنا بضعة أشخاص، لعلنا كنا (7)، وتقرر أن يتم تبليغ (أبي فادي) الخبر بحضورنا لنقوم بالتخفيف عنه، وناداه الإخوة، وأذكر أن الذي تولى إدارة دفة الكلام كان شيخنا المجاهد (محمد أبو طير)، وهو لسنّه ومقامه وخبرته رجل المهام الصعبة في كل المراحل.

والعادة بدأ أبو مصعب الحديث بالتمهيد بكلام حول الابتلاء والصبر، وأبو فادي يستمع مستشعرًا أجواء المصيبة غير عارف بتفاصيلها، ثم أُخبر بالخبر الصادم وهو أن رفيقة دربه (أم فادي) فارقت الحياة.

وعندما سمع (أبو فادي) بالخبر أصابته الصدمة، حتى لم تَقْوَ قدماه على حمله، ولم يقوَ لسانُه على النطق لمدة طويلة في (الفورة)، وبينما هو واجم صامت لهول الصدمة كنا نحن الكبار نبكي كالأطفال بكاء الثكالى، وكأن المصيبة أصابت كل واحد منا.

ومرّت فترة ونحن جالسون في تلك الحلقة، نحن نبكي، وأبو فادي واجم صامت لا يقوى حتى على البكاء، ثم كان لا بدّ مما ليس منه بدٌّ، فتمَّ إقناعه بالنهوض وتلقي العزاء، ويومها كان القسم كله يحس بالثكل والحزن والقهر.

عندما أعيد قراءة كلماتي هذه أجدها باردة لا تحسن التعبير عن تلك الأجواء التي عايشناها يومها، وهي أجواء لن يستشعرها – كما أسلفت – إلا من عايشها.

وقد قضى الله تعالى لي أن أشهد قصصًا أخرى لإخوة من الأسرى الذين عايشناهم فقدوا أحبابهم، فذلك فقد ولده الوحيد، وآخر فقد أمّه، وثالث ورابع، وهي قصص ترك كلٌّ منها في القلب جرحًا لا يندمل.

واليوم رحلت (أم إسلام) كما رحلت (أم فادي)، وأُغمِضُ عينيّ متخيلًا أخي (أبا إسلام) الذي عشت معه فترة في سجن عوفر سنة 2002، فيمرُّ في ذهني شريط الأحداث الذي سردته ولا أتوقع أن ما حدث مع أبي إسلام عندما تلقى الخبر الفاجع يختلف كثيرًا عما حدث مع أبي فادي، ولكن العزاء هو أن هؤلاء الرجال كالجبال الشامخة صبرًا وصمودًا وإيمانًا وتسليمًا بقضاء الله.

أما إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، اللهم أْجُرْ أخانا أبا إسلام في مصيبته وأَخْلِفْ له خيرًا منها.

 

29/6/2018

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.