ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

النقد السلبي

 

كتبت في مقال سابق حول ثقافة النقد وبينت أهمية النقد في محاصرة الأخطاء وتصحيحها في إطار سعينا نحو الكمال الانساني والنهضة ، لكن من خلال مخالطتك لأجناس الناس ومطالعتك لكتاباتهم يروعك حجم النقد السلبي ، وهو أمر يتطلب التوقف عنده  والكتابة حوله  ،وإن وسم بعض النقد بالسلبي ذلك لأنه لا يقوم في الغالب على أسس علمية بل دافعه عوامل نفسية لها أبعاد إنتقامية أو تشاؤمية أو وصولية أو غير ذلك ، أو لسلبية الياته ووسائله وطريقة إخراجه ولطبيعة نتائجه التي تعاكس منطلقاته الإيجابية وبالتالي  إشتراكه مع غيره في مؤداه الذي يعزز في كثير من الأحيان  التثبيط وقتل الإبداع و الكراهية ، ولأجل ذلك كان نقدنا لهذا النقد ووسمه بالسلبية

ولعل السلبية في النقد تندرج تحت ثلاثة أطر ، سلبية في المقدمات وسلبية في الاليات وسلبية في النتائج ،وهو تقسيم اجتهادي أحاول من خلاله لملمة ما يدور في ذهني وتقسيمه عبر هذه المحاور حتى تكتمل صورتي الظنية للموضوع وكي لاأشتت القارئ الكريم

أولا :سلبية في المقدمات : ومن صوره  عدم  قيامة على أرضية علمية صلبة  و منطق سليم  فلا  إحاطة بالحالة المنقودة ولا بظروفها ولا ملابساتها فالخطأ في تشخيص المرض يؤدي الى خطإ في العلاج بل أحيانا نجاح في التشخيص مع  عدم  إستيعاب علمي للعلاج   أو  إفتقار في معرفة فقه الأولويات وسنن التدرج  ، ثم ضيق أفق علمي وتحجر فكري يجعل صاحبه لا يعير اهتماما  لمسائل خلافية معتبرة في تقدير المصالح ، فينقد مسائل وكأنها من الكبائر رغم أن فيها سعة

ومن صوره أيضا إختلال النوايا ، نقد لذات النقد أوعلى قاعدة خالف تعرف في محاولة للتقدم الموهوم على حساب تحطيم الغيرأو لأهداف عدوانية  أو حزبية ضيقة التي تجعل البعض يرى القذى في عين غيره ولا يرى الجذع في عينيه  فيضخم شبهة خطأ ولا يكترث لخطاياه ، بل أحيانا نتيجة مرض نفسي يجعل صاحبه ينظر الى الدنيا كلها من نظارة سوداء قاتمة  كالاسراف في  تعميم الاخطاء  فكل الناس على خطأ ،  ورضي الله عن علي حيث يقول ( لا تخلو الأرض من قائم لله بالحجة )

ثانيا : سلبية في الوسائل والاليات :  إذا ضمِنا سلامة النوايا و سلامة المنطلق العلمي قبل نقد أي حالة فإن ذلك   يحتم علينا ضرورة البحث عن الأساليب التي تحقق مقصودنا الإصلاحي ، وتراعي الحالة النفسية للمنتقَد ، فتخير اللفظ والزمان والمكان والطريقة حق من حقوق إخواننا  ووسيلة واجبة علينا، ويحضرني هنا أبيات الشافعي التي يقول فيها

 

تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه

ولقد أصبح عالم الانترنت وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة عند بعض الناس لتوجيه النقد للشخوص والجماعات مما فاقم  كثافة النقد السلبي ،  ونرى أحيانا موجة نقد  يشارك بها المئات أو الألوف ينالون بأساليب شتى جيدها وقبيحها من شخصية عامة اجتهد فأخطأ فيصبح النقد جلدا يقصم الظَهر ، وإن تجاوز الإسلوب مع قوة الحجة ينطوي على دافع سلبي أو جهل بحقائق النفس البشرية ،إلا ما يكون من إرادة لتسجيل هدف في مرمى عدو أو خصم منطو على سوء وشر فحينها التعرية واجبة ، ويغدو ما نطلق عليه نقدا سلبيا في حق الخيريين نقدا إيجابيا ، ففضح الباطل وكشف سوءاته ونقده  مطلب ملح  ،

ثالثا : سلبية في النتائج ، العمل على تكثير الخير ومحاربة السوء منهج ضروري في سياق سعينا نحو التقدم في الميادين كلها  لكن رُب  نقد محق يَخلق ما هو شر منه  ، إن كثيرا من السلبيات في مجتمعاتنا إنما تكمن معالجتها بالتركيز على ما يضادها من فضائل والتنظير لها بدلا من إظهار المستور ، لأننا حينها  نعمل على إشاعة الإخطاء من حيث أردنا محاربتها ، ومن الصور السلبية في النتائج ما نراه من نقد علني في إطار بعض  الجماعات  دون مراعاة التوازنات مع القوى المنافسة أو المعادية فيشوش ابناؤها صورتها أمام الناس ويمكنوا  خصومهم من الاصطياد في الماء العكر و الأولى معالجة بعض المستور عبر الأطر الداخلية  ما دام ذلك ممكنا  ، ولعل من الصور نقدٌ يَعمل على إفاقةِ مَن غيبوبتُه أهون الشرين ، ورحم الله ابن تيمية حيث كان مع أصحابه يوما فمروا  بقوم  من التتار يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معه  ، فقال ابن تيمية : إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله والصلاة وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الاموال فدعهم ، فأنكر عليه إنكاره  ، وأترك لك أيها القارئ أن تسرح بخيالك مع فقه شيخ الإسلام لتستنبط منه دروسا في معادلات الصراع بين الحق والباطل

أخيرا ، إننا أحيانا نحتاج أن نلتفت الى النصف المملوء من الكأس وأن نشعل شمعة بدلا من لعن الظلام وأن ندقق أكثر في في تقدير المصالح والمفاسد وأن نتعافى من الشخصية النقدية السلبية التي تحمل معول الهدم  والحط من إنجازات الاخرين ، فالعمل أولى من الجلوس لتصيد أخطائهم ، ويبقى الأفق رحبا للنقد الإيجابي الذي يرمم الإخفاقات ويرقع ما تخرق لتزدهي الحياة بثوبها المأمول ،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.