ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

عندما يجب كتمان الحقّ عن بعض الناس

في عالم الأفكار يظن البعض أن مجرد كون الفكرة صحيحة مستندة إلى أدلة تؤيدها كافٍ ليقوم بنشرها والترويج إليها، وعندما يقوم بذلك يواجه واقعًا صادمًا، يجد فيه أن عموم الناس ردّوا فكرته هاجموها دون تكليف أنفسهم مجرد التفكير فيها، وهذا يستدعي منا التنبيه إلى أن (مجرد رؤيتك الشيء والفكرة حقًّا ليس كافيًا لأن تنشره على عموم الناس).

أما كيف يكون ذلك؟

فإن هناك بعض الأفكار والتصورات انتشرت لدى عموم الناس نتيجة تربية خاطئة، أو نتيجة تركيز على ناحية معينة في الفكر، بحيث أصبح نشر ما يعارضها بشكل مباشر صادمًا لكثيرين مما يدعوهم لرفض الفكرة المطروحة دون تكليف أنفسهم إمعان النظر فيها.

والذي يريد نشر فكرة والترويج لها يجب أن يستهدف قَبُول الناس لها، لا مجرد أن يطرح فكرته فينبذها الناس، ويعتبر أنه قد أدى ما عليه.

ولنضرب أمثلة على لذلك؟

*** في مجال الأفكار التي ترسخت نتيجة تربية فكرية خاطئة:

يمكن التمثيل بما نراه من استهجان الناس لأي رأي فقهي خارج عن المعتمد في المذاهب الأربعة المتبوعة بحيث يسارعون لإنكاره ورفضه، وذلك لأن الكثيرين تمت تربيتهم على أن الحق في المسائل الفقهية الخلافية لا يوجد خارج ما تبنته تلك المذاهب.

وحتى لا يُساء الفهم، أقول: (الغالب) أن الحق في المسائل الفرعية الخلافية لا يوجد خارج تلك المذاهب المستقرة، ولكن ذلك لا ينفي أن الرأي الذي يوافق الدليل (قد يكون) في قول تبنّاه مذهب من المذاهب المنقرضة، أو قال به بعض علماء السلف (علماء القرون الفاضلة الأولى).

وهذا يدعونا ويوجب علينا عدم التسرع في ردّ الرأي لاستغرابنا له، كما يدعو من يتبنى هذا الرأي أن لا يصدم الناس به قبل أن يمهد له.

*** في مجال التركيز على ناحية معينة في الفكر أو السياسة

يمكن التمثيل بمسألة حكم (المفاوضات) مع العدو، فقد تمَّ التركيز من الدعاة الإسلاميين منذ زمن طويل على مهاجمة فكرة المفاوضات مع العدو الصهيوني، وكانت تلك المهاجمة صحيحة من ناحية أن المفاوضات التي كانت – ولا تزال – مطروحة تفتقر لأدنى مقومات النجاح، وهي أن تكون لدى المفاوض من طرف الفلسطينيين أوراق قوة بين يديه، فالمفاوضات دون أوراق قوة لن توصل إلا إلى التنازلات والدمار، وبالتالي فحكمها هو ضرورة الابتعاد عنها وعدم التلوث بها.

وعندما تتغير الموازين، ويصبح لدينا من أوراق القوة ما نستطيع عبره انتزاع بعض ما نريده عبر المفاوضات، كما حدث في التفاوض في صفقة وفاء الأحرار، يصبح للمفاوضات حكم آخر، لأنها يمكن أن توصلك لتحقيق أمر إيجابي لصالح قضيتك.

ولكن المشكلة التي تبرز هنا هي أن كثيرين ترسخ في أذهانهم رفض فكرة (المفاوضات) كفكرة مجردة، ولم ينتبهوا إلى أن المقصود رفض فكرة (المفاوضات وأنت لا تملك أوراق قوة تستخدمها) وهي حالة مخالفة لحالة (المفاوضات ولديك ما يمكنك الضغط من خلاله).

ولذلك فأن تطرح الفكرة وتقول بجواز (التفاوض مع العدو) سيجعل كثيرين يرفضونها دون التمعن في الاختلاف بين الحالات، مع أنهم لو تمعنوا لوجدوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم فاوض أعداءه مرارًا عديدة.

وحتى لا يساء الفهم أيضًا أقول: كلامي متعلق بالإطار النظري والفكري للمسألة، أما على أرض الواقع فلا زال شعبنا الفلسطيني لا يملك من أوراق القوة – للأسف – ما يمكنه من انتزاع حقوقه من أعدائه، وإن كان يمكنه – أحيانًا – تحقيق بعض الإنجازات الضيقة والآنية مثل تبادل الأسرى، وعليه فطرح فكرة التفاوض مع العدو في هذه الظروف ليس طرحًا مقبولًا ولا منطقيًّا.

ولأن البعض منا لا يقبل فكرة إلا بدليل يشهد لهذه الفكرة من أقوال السلف الصالح أقول:

 

لقد فهم سلفنا الصالح هذه الفكرة، فكرة عدم كفاية كون الرأي حقَّا للمبادرةلنشره، وحذرونا من الوقوع في فخّ طرح الرأي قبل نضوج بيئة قابلة له، ومن ذلك:

  • ما رواه البخاري في صحيحه عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: (حَدِّثُوا النَّاسَ، بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ وَرَسُولُهُ).

وقد جاء في رواية أخرى (عند البيهقي) أنه قال (أَيُّهَا النَّاسُ؛ أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ)

وقد أخرج البخاريُّ هذا القولَ عن عليٍّ رضي الله عنه تحت عنوان (باب من خَصَّ بالعلم قومًا دون قوم، كراهيةَ أن لا يفهموا).

  • ما رواه مسلم في صحيحه تحت باب (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لَا يَبْلُغُ عَقْلُهُ فَهْمَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِتْنَةً).
  • وقد روي عن عروة بن الزبير أيضًا أنه قال: (مَا حَدَّثْتُ أَحَدًا بِشَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ قَطُّ لَمْ يَبْلُغْهُ عَقْلُهُ إِلَّا كَانَ ضَلَالًا عَلَيْهِ)

ما العمل إذًا؟ هل نترك نشر الفكرة الصحيحة لعدم قبول الناس لها؟

بالطبع ليس هذا هو المقصود، فنشر الأفكار الصحيحة واجب على أصحابها، ولكنّ حديثنا كله يدور حول كيفية إيصال الفكرة الصحيحة بطريقة لا تدفع الناس لرفضها دون التفكير فيها.

والمطلوب أمران:

الأول: أن يتم نشر الأفكار الصحيحة المستندة إلى أدلة مقبولة عند أهلها الذين يستوعبونها، فالنهي في النصوص التي سقناها كان عن طرح الأفكار المستغربة على من لا تبلغ عقولهم إدراكها؛ إما لقصور في تأهيلهم العقلي أو العلمي، أو لعصبية ترسخت في نفوسهم تمنعهم من تقبل أي فكرة تخالف ما ألفوه.

وتبقى في الأمة فئة واعية لا تردّ فكرة إلا بعد تفحصها، وهؤلاء هم الذين يجوز، بل يجب، طرح الأفكار هذه عليهم، وهؤلاء هم المعوّل عليهم في تحقيق الأمر الثاني.

والذي هو: تمهيد الأرضية لدى العامة لتقبّل الفكرة التي لم يألفوها قبل عرضها، وهذا التمهيد قد يحتاج فترة طويلة تختلف من حال لأخرى.

لقد ظلمت كثير من الأفكار الجيدة عندما لم يحسن أصحابها اختيار الوقت المناسب لطرحها وعرضها، وذلك لما ظنوا أن مجرد كون فكرتهم صائبة يكفي في دفع الناس لاستيعابها وقَبولها، وفاتهم تأثّر الناس بما ألفوه ونشأوا عليه، وهو التأثر الذي كان العائق الأكبر أمام أنبياء الله تعالى صلوات الله عليهم في نشر دعوتهم، إذ كان الناس يرفضون الاستماع لها لمخالفتها لما وجدوا عليه آباءهم.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.