إشراقات سياسية

عندما بدأت الانتفاضة

يوم الجمعة 28 سبتمبر من عام 2000 ذلك اليوم كان عمري 9 سنوات .. نعم لن أنسى ذلك اليوم،
كنت عائداً من صلاة الجمعة و دخلت المنزل راكضاً متلهفاً نحو أمي اسألها ماذا سنأكل اليوم، لكن دهشت عندما وجدت أفراد عائلتي محدقين أمام شاشات التلفاز، يخيم عليهم الغضب، جلست قرب أمي ورحت أتابع معهم، فرأيت أربع أشخاص يحملون شاباً تنزف الدماء من رأسه و صوت تكبيراتهم تتردد كل لحظة “الله أكبر الله أكبر ” كان هذا المشهد الأول الذي أرى فيه شخص يستشهد بشكل مباشر على التلفاز، ومن ثم ضغط والدي على ريموت التحكم ليغير على قناة “الجزيرة” ليكون المشهد مسلط على الحشود و الجماهير التي تركض في ساحات الأقصى و تقذف الحجارة و الأحذية على اولائك المترسين بالأسلحة الرشاشة و الدروع الحربية. سمعت والدي وقتها يقول ” إنتفاضة إنتفاضة !! هيها ولعت الإنتفاضة هذا الكلب شارون دخل على الأقصى عشان يستفز المصلين و المسلمين”
 
لن أنسى ذلك الختيار عند شجرة الزيتون في حديقة الأقصى، يرشق الحجارة على الجنود حتى إخترقت الرصاصة يده، لكنه لم يأبه بها واستمر في مقاومته ورشق الحجارة وكأن لا شيء حدث! نعم كل تلك الأحداث تعيش في داخلي منذ الطفولة.
 
وبعد ساعات إنتقل المشهد الى قطاع غزة حيث لن أنسى ذلك الشارع الذي فيه شجر نخيل في وسطه و الأطفال و الشباب واقفين على حيطان المباني بسبب وجود قناص و طائرة هيلوكوبتر تحلق فوق الشارع، و لفت نظري شخص ملثم بكوفية كان يحمل بندقية خشبية ” كلاشنكوڤ” يطلق منها النار على الجنود وكنت اسمع والدي يقول “الله يحميك يا ابني”
 
في ذلك الوقت بدأ عقلي يسجل كل كلمة كنت أسمعها في التلفاز منذ الصباح حتى الليل ” شهيد، مصاب، إقتحام، فدائي، قصف، عملية، مقليعة، حجر، ملتوف،رصاص حارق، رصاص مطاط، قنابل غاز، طائرة اباتشي، تفخيخ مطعم، فدائي، حماس، فتح، سرايا، جبهة شعبية ،وديمقراطية وغيرهم…”
 
نعم كل تلك الكلمات تبلورت في رأسي حتى أنني أصبحت أحلم بها ليل نهار، فمنذ ذلك اليوم فهمت تماماً ماذا يعني إحتلال و ماذا يعني فلسطيني ومن ذلك الطفل الذي في عمري يرمي الحجارة على الدبابة و الجيب العسكري،
لم تعد وقتها لعبتي الصغيرة “سبايدر مان” مهمة بالنسبة إلي فقد وجدت لعبة جديدة في الشارع إسمها رمي الحجارة و صنع المقليعة.
فأصبحنا في الشارع نظن أنفسنا في فلسطين و نرمي عل بعضنا الحجارة وأغني “وين الملايين وين” التي كانت تعرض على القنوات الفلسطينية وحتى العربية كل لحظة.
فقد أصبح بطلي اليومي ذلك الطفل الذي يلبس الشباح و يرمي الحجارة على كل جيب إحتلالي يمر في الشارع وذلك الفدائي الملثم الذي يحمل الرشاش في وسط الشارع دون خوف.
منذ ذلك اليوم حتى يومنا هذا مازال طفل الإنتفاضة يعيش في داخلي أينما كنت، و أصبحت تلك الأرض التي فيها كل هذه الأحداث جزء من حياتنا الشخصية.
نعم لن أنسى ذلك اليوم ابداً فهو يوم غير كل الأيام، ففيه صنع معنى الكرامة و الحرية في داخلي.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق