ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الطريق الى القدس

بقلم : دكتور نزار رمضان نائب في المجلس التشريعي الفلسطيني

ظن بعض المرجفين ان معركة القدس قد انتهت بنقل السفارة الامريكية الى القدس وافتتاحها ، ولم يعلم هؤلاء ان قضية القدس هي قضية السماء .. قضية لها مصير وقدر رسمه الله سبحانه وتعالى ، فالمسألة عقدية قبل ان تكون سياسية ، وقد اكدت الوقائع والاحداث أن الشعب الفلسطيني لم ولن يستسلم أمام هذه التحديات ، فجاء شهر رمضان لهذا العام والامة تتحفز للانتصار للاقصى والقدس رغم كل ما يجري ، فكانت هبة الجماهير وتدافع الزحوف نحو القدس والاقصى أكبر دليل على أن القدس وأقصاها لا زالت تعمر قلوب الملايين من المسلمين .
سلطات الاحتلال الصهيوني اتخذت كل الاجراءات التعسفية لمحاولة منع الشباب الفلسطينيين من الوصل الى القدس والاقصى خشية من غضبهم وحميتهم ، فما دون الخمسين من العمر محرم عليهم الوصول الى المسجد الاقصى والصلاة فيه !!  فكانت البوابات الالكترونية والفحص الامني والجدار العنصري الفاصل والرقابة الأمنية المشددة حائل بين هؤلاء الظامئين لاقصاهم .
ورغم ذلك اصر الشباب الفلسطينيون في الوصول الى الأقصى بكل الطرق المحفوفة بخطر الموت عشقا منهم لأولى القبلتين وثالث الحرمين مهما كانت النتيجة ، ومهما كلف ذلك من مشاق ؟! … وقد رصد الكاتب هذه المشاهد التراجيدية الحية لهذا الاصرار .
الشاب حسن الزير 19 عاما من قرية زعترة شرقي بيت لحم صلى الجمعة الأخيرة من شهر رمضان وكان ينتظر صلاة العصر داخل المصلى المرواني بفارغ الصبر وهو في قمة السعادة خاصة أنه أول مرة يدخل الى ساحات المسجد الاقصى في حياته .. يصف ا تراجيديا رحلته من بيت لحم الى الاقصى والتي لا تتحمل في الظروف الطبيعية اكثر من ربع ساعة !! لكنها استغرقت اربع ساعات فقال : انطلقت من زعتره نحو مدينة بيت لحم ووصلت الى الحاجز العسكري وامسكت بيد حاجة مسنة ودخلت عبر معبر النساء الى ان وصلت الى البوابة الالكترونية لكن جندي من حرس الحدود اسوقفني وطلب هويتي واعادني من حيث اتيت بعد تهديدي بالاعتقال .. ويضيف : عدت وركبت سيارة عمومي نحو بلدة ابو ديس .. وهناك دلني الشباب على منطقة يمكنني ان اتسلق الجدار من خلالها ، وفعلا وصلت الى تلك المنطقة وتسلقت الجدار كما الشباب من قبلي وما أن وطأت قدماي الارض في الاتجاه الثاني من الجدار حتى سمعت بصراخ من دورية حرس الحدود الصهاينة .. توقف .. توقف بنطخك !! بنطخك .. كان قبلي ثلاثة شبان تسلقوا بنفس الطريقة ، لكننا انطلقا راكضين نحو الزيتون المجاور وجيش الاحتلال يطلق علينا الرصاص المطاطي ومن ثم الرصاص الحي وتمكنا عبر الحقول الوعرة من الوصول الى منطقة جبل الزيتون المطلة على الاقصى .. احد الشبان الذين هربوا معنا من جيش الاحتلال كسرت ذراعه عندما سقط على صخرة خلال العدو من الاحتلال لكنه رغم ذلك اصر في الوصول الى المسجد الاقصى .
يختتم الشاب الزير حديثه فيقول : يالله كم كنت في قمة السعادة عندما شاهدت مسجد قبة الصخرة والمسجد الاقصى وتصورت في ساحاتهما ونشرت صوري على الفيس حتى أغيظ سلطات الاحتلال ويعرفوا انني دخل المسجد الاقص (خاوة) أي رغم انفهم وقهرا لهم !!.
ولم يكن حال محمد المسالمه 21 عاما من بلدة بيت عوا جنوبي الخليل افضل، فقد خرج من بعد صلاة فجر امس الجمعة من بلدته متوجها للصلاة في المسجد الاقصى رغم انه يعلم ان عمره لا يسمح له بالدخول الى القدس حسب اجراءات سلطات الاحتلال .. يقول المسالمه: ركبت سيارة فورد ترانزيت عمومي من الخليل الى بلدة العيزرية شرقي القدس وبعد ساعة من الزمن وصلت العزيرية ، عندها سالت كيف يمكن لي ان ادخل الى الاقصى بعيدا عن حواجز الاحتلال ، فدلني شبان على سيارات غير رسمية تحمل لوحات صفراء يمكن ان تدخليني عبر طريق التفافية بطريقة التهريب .. لكن ذلك يكلفني مائة شيكل أي ما يعادا ثلاثين دولارا علما بان المسافة لا تتعدى اكثر من عشرة كيلوا مترات عبر منطقة تسمى (إزعيم ) دفعت له المبلغ المذكور وانطلقت بنا السيارة نحو المنطقة المذكورة وتخطت الحاجز عبر طريق ترابية التفافية ولدى وصولنا الى منطقة مستشفى المقاصد الخيرية بالقدس المحتلة اعترض طريقا سيارة جيب عسكرية واوقفت السيارة التي تقلنا وقامت بالتدقيق في هوياتنا وعندما كان كل من في داخلها من سكان الضفة قامت بانزالنا من السيارة وأوقفتنا على جانب الطريق والجنود يشهرون بنادقهم نحونا .. ويضيف المسالمه : كنا سبعة شبان ، واستدعى الجنود سيارة شرطة صهيونية أخرى لاعتقالنا .. وأمرونا بالجلوس على الارض ، لكن احدنا هرب منهم فتبعه جنود الاحتلال وهم يطلقون النار بالهواء .. وفي هذه الاثناء قمت باستغلال ملاحقتهم للشاب وهربت باتجاه مستشفى المقاصد الخيرية ودخلت ساحاته ومن ثم تسلقت جدار كنيسة الجثمانية الى ان وصلت الى باب الاسباط واندمجت مع الالاف المصلين الداخلين الى ساحات المسجد الاقصى .. لولا لطف الله لكنت شهيدا برصاص الاحتلال او معتقلا .. لكن الصلاة في المسجد الاقصى انستني كل هذا الخطر والرعب .
اللآلاف من الشبان الفلسطينيين الذين تقل اعمارهم عن خمسين او اربعين عاما يدخلون خلال شهر رمضان الى مدينة القدس والمسجد الاقصى بهذه الطريق ، حياتهم محفوفة بالخطر خلال مطاردتهم من قبل سلطات الاحتلال ، لكن عشقهم للاقصى ينسيهم كل هذه المخاطر والالام انها رحلة تراجيدية مؤلمة يخفف وطأتها نسيم الاقصى الايماني وعبق ساحاته المنعشة .
إن الطريق الى القدس محفوفة بالمخاطر وربما الشهادة وهذه دلالة على ان التفريط بالقدس ليس سهلا ولا مستوعبا حتى ولو كان هذا التفريط من قبل زعماء العرب وقادتهم ، فالشعوب جاهزة للتضحية ولن تسمح لأحد ان يفرط بذرة من تراب القدس .. لقد نقلت وكالة الاناضول والعديد من وكلات الانباء ان الجمعة الاخيرة من رمضان لهذا العام 2018م بلغ عدد المصلين الذين ادوا صلاة الجمعة داخل المسجد الاقصى وساحاته اكثر من مائتين وثمانين الفا من الفلسطينيين رغم الحواجز والقيود وتحديد الاعمار ، كما نقلت نفس الوكالات ان عدد الذين شاركوا في احياء ليلة القدر نح ثلاثمائة وخمسين الفا .. وهذه دلالات واستفتاءات على عروبة واسلامية الاقصى والقدس رغم كل التطورات والمتغيرات السياسية التي احدثها الرئيس الامريكي ترامب ، بل هي ابلغ رد على نقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى ا لقدس المحتلة .
روايات وقصص الشباب الفلسطيني الظامىء للأقصى والقدس والذين لديهم الجاهزية لاختراق كل الحواجز وتحدي المعيقات وتسلق الجدار الفاصل لهي أكبر دليل على ان الاقصى والقدس في قلوب الملايين من المسلمين رغم الانحدار العربي الرسمي .. وهذا يزيدنا طمأنينة بأن مستقبل القدس والأقصى ليس في خطر .. أمام هذا الاصرار والتحدي من قبل الشباب الفلسطيني المؤمن في الوصول اليها .. الامر الذي أذهل الصهاينة والذين باتوا في رعب امام هذا الاصرار الايماني من قبل الفلسطينيين في الحفاظ على القدس والمسجد الاقصى ومحاولة الوصول اليهما رغم كل المعيقات الامنية وسياسات التهويد والتهديد !!.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.