ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

اسمع حكاية النكبة، حتى لا تُذل

سأحكي لك يا ولدي حكاية.. لنكبة امتدت منذ الماضي وحتى الأن.. فأعرني بصرك واسمعني واحفظ كل كلمة عني:
في الماضي، خُطط لسرقة بلادنا بإحكام، كنا بسطاء حينها.. سُذج.. أحسنَّا النية ولم يدر في خلدنا ما يُحاك لنا ولبلادنا في الخفاء. هاجمت عصابات الأغراب ديارنا.. وتحت جنح الدجى هدموا قرانا ومدننا.. قتلونا وفتكوا بنا.. اغتصبوا بناتنا ونسائنا.. طردونا وشردونا.. وتملكوا أرضنا وسكنوا بيوتنا.. جدتي يومها رتبت البيت على عجل، وأحكمت إغلاق النوافذ، وبالمفتاح أقفلت الباب، وحملت مفتاحه معها.. لتعود إليه بعد أن يزول الغرباء الذين لن يطول بقائهم، كما يزول الغمام الأسود من كبد السماء.. نسيت جدتي يومها حقيقة أن من تملَّك بيتك لن يخرج منه بإرادته.. لن يغادره طائعاً.. إن لم تجبره بالقوة على الخروج.
مر عام.. ومضت على إثره الأعوام.. فإذا بنا نمضي في المهجر سبعين عام… جدتي لم تعد على بيتها، وتوالدت الأجيال ونحن ننتظر العودة التي طال انتظارها.
راح منا البعض يستجدون، يطرقون الأبواب، عل أحدهم ينصفهم ويرأف لحالهم، لم يعبأ بهم أحد، بل مضوا يدعمون ويشاركون العصابات الصهيونية في التخطيط والتنفيذ لطردنا وتشريدنا وقتلنا، زودوهم بالذخيرة والسلاح وغضوا الطرف عن جرائمهم التي ارتكبت باسم الديموقراطية.. اليوم تماماً كما الماضي، الصورة تعيد نفسها بذات التفاصيل التي تبثها الفضائيات وتوثقها الكاميرات.. إلا أن العالم يصاب بالصمم والخرس أمامها.

ولنجري مقارنة بسيطة يا ولدي، هذا العالم المارق نفسه، يطالب الأتراك بالاعتذار للأرمن بينما يمضي بتقديمنا قرابين على مذبح الصهيونية دون أن يطالب أحد بالاعتذار لنا أو حتى الاعتراف بحقوقنا… أليست هذه مفارقة؟ مع أن مصيبتنا من أعظم مصائب التاريخ… ليس لأنهم قتلونا وهجَّرونا من ديارنا فحسب، وإنما لأنهم خططوا لكيِّ الوعيِ العربي الإسلامي وعملوا على استئصاله بإصرار طوال تلك السنوات… ليصلوا بالعرب إلى حالة التشرذم والتسابق للتطبيع مع عصابة بني صهيون.

لم تكن نكبة فلسطين هي بداية مخطط التقسيم يا ولدي، بل اعلم أنهم قسموا بلاد العرب والمسلمين قبلها إلى دويلات لحماية الجنين الصهيوني الذي بدأ يتكون على أوراقهم ومخططاتهم ويريدون أن يبعثوا به الحياة.. ويهيئوا له الظروف ليضمنوا له البقاء.

ولم تنتهي المأساة بنكبة فلسطين وتهجيرنا وتشريدنا، بل تتكرر النكبات كل يوم بصور شتى؛ فنكبة أوسلو مثلاً، والتي خرجت بها دولة الأعداء بأكبر فائدة لم تحلم بها يوماً، لم تختلف كثيراً عن النكبة الأولى رغم اختلافها في الأسلوب والنوع، لأن النتيجة كان متشابهة: النتائج بالنسبة لنا كانت تحت الصفر، ناهيك عن التشرذم والضياع والحصار، بعد أن كنا صفاً واحداً نواجه الأعداء. وبالنسبة للصهاينة تملكوا الأرض وحصلوا على المزيد من الحقوق المسروقة.

أتدري يا ولدي: أنا لا أخاف على الأرض التي تبتلعها عصابة الصهاينة التي تدَّعي أنها دولة، فهي لا محالة عائدة لأصحابها بإذن الله طال الوقت أم قصر، ولكن ما يقلقني ويؤلم قلبي هو تمزيق وحدة النسيج الفلسطيني من قِبَل مِنْ سموا أنفسهم بــ “قطب السلام الفلسطيني” وهي الفائدة الأكبر التي جناها الاحتلال وارتاح باله في ظلها، فهو يعلم بأننا سننشغل في خلافاتنا عن طرده من أرضنا واستعادة حقوقنا.. مع أن هؤلاء بالنسبة لعصابة الصهاينة ليسوا سوى مطية يركبونها ليصلوا لما يصبون إليه.

ويا للعجب والغرابة، من الكلام الذي بتنا نسمعه من البعض منا، فهم يفضلون الصهاينة علينا، ويطأطئون أمامهم رؤوسهم ويحمون ظهورهم، بينما يتحدوننا ويظهرون قسوتهم وصلابتهم علينا… ظهر المنافقون بجميع أشكالهم، فأين هم الشرفاء؟؟؟، أليسوا معتقلين ومحاصرين ومُضيَّق عليهم ومحرَّم عليهم الحياة التي تليق بالبشر؟
اعلم يا ولدي بأننا أمام عدو شرس متغطرس، لن يهنأ له بال حتى يسلب ما تبقى من أرضنا، ويسلب معها حياتنا وكرامتنا، فإن لم نلتحم جميعاً يداً واحدة ونقف في وجهه سداً منيعاً ونقاومه بكل ما نملك، لن ترحمنا الأجيال القادمة، ولن يغفر لنا التاريخ تخاذلنا.

فاتخذ من المقاومة درباً، ومن الجهاد سبيلاً، وكن واثقاً بأنك لن تُذل ما دمت تقاوم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.