ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

وازدان هلال غزة بدماء العودة

ها قد حلّ علينا الشَهر المُبارك، وارتدت المُدن والبلدات أجملُ حُليهآ وتزيّنت منازِل كلّ من حولنا بالمصابيحِ إلآ منازِل غَزّة بقيَت مُعتمة إلا من نور الشَوق لأناس غادروها قصرا قُبيل اقتراب الشَهر بأيام ، تُرى مَن سَيضيئ مصابيح قلوب انطفئ نورها برصاصة غآدرة من قنّاصٍ تعمّد أن يقتل الحياة فيها!

جلستُ على شُرفة المنزل أرتقب غروب الشَمس الخجول ، شعرتُ بفراغ كبير استذكرتُ العام الماضي كيف كان الحيَ يضُج بالحياة وصوت الأطفال الذي يعلو كلّما أحرز أحدهم هدفا في مرمى الخصم، هُناك كانت جنى تُاعب الدُمية لتأتي سارة وتسرقها، هُناك بكت تالا وضحكت رنا..

هذه الأحياء كانت مزدحمة بالكثير من التفاصيل والأجواء الرمضانية التي يسعد لوجودها الصغير قبل الكبير واليوم ذات الأحياء صامتة باهت لونها لا تسرُ الناظرين ، اقتصر ساكنيها على العبادات والذّكر وابتسامات صفراء تُحاكي وجع داخلي يُجاهد أصحابها لإخفائها خشية أن يؤذي أحد المارة بها .

رَمضان غزّة شَهيد،،

ليست المرّة الأولى التي يستقبل فيها أهل غزّة الشهر المبارك وهم على هذه الحالة أجل !

فقد مرت حروب عديدة على قطاع غزة وارتقى الكثير من الشُّهداء ولكنّ هذه المرّة الأوجع والأكثر ايلاما في تاريخها ، فشهداء اليوم هم شهداء العودة ، فكانت الشهادة احدى خياراتهم التي رسموا ملامحها بإيديهم وحرصوا على أن ينالوها أعزاء فاصطفاهم الله للعودة الى دارهم الاولى فهي خير مستقر لهم .

على مائدة رمضان هُنالك ما يزال مقعد فارغ ، يحمل من الذكريات الكثير يكاد لا يخلوا البيت من صوت ضحكاته اشراقته ابتسامته ومشاكساته ، فكل من رحل ترك خلفه أثر لا يلتئم ، ومُحال أن يأتي أحد آخر ويشغله ، هُنالك دعوة فُقدت ، وهَمسة رمضانية غُيّبت ، وصوت قُراني شدّي مازال صداه يملؤ جدران القلب وترتله روح غائبة ، . .

لم يقتصر الأمر على موائد الإفطار الغزي ، وإنما انتقل مشهد الألم جليا في أسواق المدينة التي كانت عادة ما تضجُّ في الباعة والحركة التي تكثر في هذا الشهر المُبارك رغم الحصار والضيق الذي يتعرض له القطاع ، فالأسواق ما عادت تحمل ذات البهجة وان كان هُنالك شيء منها ولكن لا تصل للمنحى المطلوب ، فالغُصة تلازم العامة من أفراد الشّعب الغزي ، فكل شهيد له حكاية في الزقاق هذا والاخر له بصمة عند البائع الفلاني ، والاخر افتقد أحد زبائنه بعد ان لازمه لاعوام عديدة واثر الرحيل على عجل ،

غزّة عصّية عن الإنكسار والاستسلام ، تُجاهد بأن تبقى قوية شامخة رغم ما يُحيط بها من وجع ، ورغم تكالب الدول الغربية حولها ستظلّ شامخة ، غزة حزينة أجل ولكنّها قادرة لان تُبدد ألمها بابتسامة قادرة لان تصنع فرحها بكرامتها ، غزّة رغم كل ما مرت به صامدة صابرة ، بأولادها وأطفالها وشيوخها ونسائها ، رغم التفاصيل الرمضانية الشاحبة الا انها تُعطي لهذا الشهر قُدسية خاصة ، لتجد مساجدها عامرة بضيوفها ، عامرة بايمانها الذي يكبر في قلبها كلما كبر مصابها ، وهذا ما يجعل غزّة ثابتة راسخة في ارضها كما دماء شهدائها .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.