ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الصحافة في فلسطين.. الخطاب الجماهيري الموحد

تأخر ظهور الصحافة العربية في المنطقة بصورة عامة، وفي فلسطين بصورة خاصة، مقارنة بأوروبا، نتيجة جملة من العوامل الثقافية والاعتبارات السياسية لإحجام السلاطين عن اعتماد الطباعة حتى منتصف القرن الثامن عشر تقريبًا، وإتاحة المجال أمام الجمهور لاستخدام الطباعة منذ منتصف القرن التاسع عشر فقط، إلى جانب فرض نظام رقابي صارم، كانت جميعها عراقيل وقفت أمام ظهور الصحافة ونموّها.

الصحيفة الأولى
ظهرت الصحافة العربية بداية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر في مصر، حيث صدرت الصحيفة الأولى في سنة 1828، وتسارعت وتيرة صدور الصحف فيها بصورة كبيرة خلال النصف الثاني للقرن ذاته، وذلك بفضل مبادرات فردية واهتمام حكّام مصر حينئذ بتطويرها.
وكانت الحالة في فلسطين، التي لم تشهد هي الأخرى، أسوة ببقية البلدان المجاورة، نموًا لصحافة محلّية حتى مطلع القرن العشرين (باستثناء صحافة عثمانية رسمية متواضعة جدًا).

دخول الطباعة
دخلت الطباعة إلى فلسطين بدايةً في منتصف القرن التاسع عشر. ويبدو أنَّ الرهبان الفرنسيسكان في القدس كانوا أول المبادرين في هذا المضمار، فقد أنشؤوا أول مطبعة في سنة 1846.
وأنشأت بعض المنظمات المسيحية والتبشيرية لاحقًا بعض المطابع الأخرى في القدس، أصدرت جميعها نشرات تحمل طابعًا دينيًا.

أول نشرة
وصدرت أول نشرة بالعربية والعثمانية في فلسطين في سنة 1876 هي “قدسى شريف/القدس الشريف”، التي تعتبر نشرة رسمية أصدرتها السلطات العثمانية في القدس، وسعت إلى نشر الفرمانات والتشريعات.
لم تصمد هذه النشرة فترة طويلة ولم تصلنا منها أية نسخة. وكذلك الأمر بخصوص نشرة الغزال التي صدرت في البلاد في نفس الفترة، وفق ما جاء في بعض المصادر.
لم تظهر أية نشرة أخرى بعد هاتين المحاولتين المتواضعتين حتى مطلع القرن العشرين. وقد ظهرت النشرة الرسمية البائسة “قدسى شريف/القدس الشريف” مجدّدًا في سنة 1903 بصورة أسبوعية بوصفها صحيفة وحيدة تقريبًا في البلاد، ووقف الشيخ علي الريماوي على تحرير القسم العربي فيها، بينما ترأس عبد السلام كمال هيئة تحرير القسم التركي.
أفضت سنوات الحرب العالمية الأولى وظروفها الصعبة إلى شلل كامل لحقل الصحافة في فلسطين كما جرى في البلدان المجاورة كذلك. وعند انتهاء الحرب، بدأت حقبة جديدة وعاصفة في تاريخ فلسطين.

حقبة الانتداب
يمكن تقسيم تاريخ الصحافة الفلسطينية في حقبة الانتداب إلى قسمين، ما قبل الأحداث الدامية التي اندلعت في صيف 1929 وما بعدها.
فقد تركّزت هذه الصحف قبل هذه الأحداث في البلاد في مركزين مدنيّين مركزيّين، هما يافا والقدس، إلى جانب نشاط صحفي متواضع في حيفا وغزة وعكا وبيت لحم وطولكرم.

الصراع القومي
ومن أبرز صحف تلك الفترة نذكر صحيفة فلسطين وصحيفة الكرمل العريقتين، واللتين صدرتا من جديد بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وركّزتا على الصراع القومي مجددًا؛ وصحيفة مرآة الشرق (القدس، 1919، لصاحبها بولس شحادة)؛ وصحيفة الصراط المستقيم (القدس، 1925، لصاحبها الشيخ علي القلقيلي) التي اتّسمت بتوجّه ديني إسلامي؛ وصحيفة الجامعة العربية (القدس، 1927، لصاحبها منيف الحسيني) بوصفها ناطقًا رسميًا بلسان المجلس الإسلامي الأعلى.
وتجدر الإشارة إلى أنه لم تظهر بعد في تلك الفترة صحافة فلسطينية يومية، إذ ظهرت الصحف الإخبارية مرة أو مرتين أسبوعيًا، وهي الوتيرة التي عكست الجو الهادئ للحياة العامة والوطنية/القومية في البلاد.

الخطاب الجماهيري
عكست الصحف في تلك الفترة المبكّرة مجمل التحدّيات والمشكلات، التي شغلت بال الخطاب الجماهيري المكتوب على طول الفترة بكاملها: التعبير عن الريبة من الصهيونية والعدائية لها، والغضب من السلطة البريطانية، وتأجّج الصراعات بين معسكر الحسيني ورجالات المجلس من جهة، وبين المعسكر المعارض بزعامة عائلة النشاشيبي من جهة أخرى.

التوجه البراغماتي
وفي صميم هذه المنظومة المتصارعة، قليلة هي الصحف التي حافظت على توجّه سياسي موحّد ودعم دائم لأحد الطرفين، إذ نشهد أنَّ غالبية هذه الصحف اعتمدت توجّهًا براغماتيًا استبطنت مواقف متباينة وفقًا للظروف المختلفة وبما يتلاءم مع الاحتياجات المتغيرة.
وعليه، فقد اتّسم التوجّه السياسي للصحف العربية في تلك الفترة بكونها براغماتية ومتحوّلة وبقيت كذلك حتى انتهاء حقبة الانتداب.

صحف وأرقام
هيمنت صحيفة فلسطين اليافية على المشهد الصحفي في البلاد وحازت النسبة الأكبر من التوزيع؛ فقد باعت في سنة 1929 نحو 3,000 نسخة من كل عدد، وهو ضعف نسخ أية صحيفة أخرى في البلاد بل وأكثر من ذلك، بالرغم من حقيقة أنَّ عدد النسخ هذا يبقى متواضعًا كما أسلفنا.
وبالمجمل، فقد بلغ حجم مبيعات جميع الصحف العربية البارزة في البلاد في تلك السنة نحو 12,500 نسخة، ما يشكّل ضعفين ونصف من حجم المبيعات في سنة 1914، علمًا بأنَّ هذا الحجم يبقى متواضعًا جدًا (قياسًا بلبنان على سبيل المثال، حيث وصل حجم المبيعات فيها في تلك الفترة إلى 68,000 نسخة، علمًا بأنَّ عدد سكانها قد بلغ نفس عدد سكان البلاد الفلسطينيّين).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.