ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

صيام الجوارح

الحمدلله رب العالمين ، حمد الصابرين الشاكرين ، حمد الصائمين المتقين ، الحمدلله القائل في كتابه المبين : ” يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ” والصلاة والسلام على أشرف مخلوقات الله محمد(صلى الله عليه وسلم ) القائل في خطبته : “من صام شهر رمضان في إنصات وسكوت وكف سمعه وبصره ولسانه وفرجه وجوارحه من الكذب والحرام والغيبة تقربا (قربه الله منه) حتى تمس ركبتاه ركبتي إبراهيم عليه السلام.
الصيام عبادة متكاملة ، وجنة خالدة ممتدة بجذورها ، متفرعة بأغصانها ، طيبة الثمر بقطوفها وخيراتها ، جنة من أفضل الجنان بها باب الريان ، فعلينا أن نحسن القطف في الدنيا لنحسن الفوز بذلك النعيم والخير الوفير في الآخرة .
فإن الصيام امتناع عن أهم رغبات وحاجات الجسد الضرورية من طعام وشراب وترك الدنيا بملذاتها وشهواتها ، ففي الصيام رحمة وشفقة على كل فقير ومحتاج ، وتطهير للنفس من المنكرات والمعاصي العالقة في القلب. وتهذيب النفس وتزكيتها ، وحفظ الجوارح وترقيتها عبادة متصلة بالصوم لا تنفك عنه ، ليكون صومنا كاملاً متكاملا لا نقص فيه ولا غبار عليه ، وبهذا تظهر علينا علامات التقوى والهيبة والخشية من الرحمن ، ونصرف عن أنفسنا كل فعل قبيح ومحرم ، حتى لا يشملنا وصف الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ممن وصفهم حين قال : ” كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب ” .
فينبغي على العبد أن يبالغ في حفظ جوارحه وسلامة حواسه ، لكي لا يقع في شرور العباد ، وفساد البلاد ، وإثم النفس ، ومنكر القلب ، وبهذا يأمن الخير لنفسه ، والصلاح لمن حوله ، والهداية لمجتمعه. ومن هذا المنطلق حق علينا أن نقف على كل جارحة وكيفية صومها وحفظها في رمضان وغيره ، وصقلها وتنميتها بما يرضي جل جلاله :-
أولا :- صوم القلب : كما جاء في حديث الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) والمتفق عليه : ” ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ” العظمة الإلهية تتمثل في القلب ، لتكون خير رادع للنفس عن الإتيان بالشهوات وفعل القبيح ، وصون القلب عن الأفعال والأعمال المهلكة والاعتقادات الباطلة ، والوساوس الشيطانية السيئة ، والنوايا الخبيثة ، للتحلي بحسن الظن الجميل ، وعدم التسرع في الحكم على أمر ما دون معرفة أسبابه ومسبباته .
ثانياً :- صوم اللسان : قال تعالى : ” ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ” كف ألسنتنا عن اللفظ المشين والعبارات البذيئة ، وعدم النطق بكل قول يفسد على المرء أدبه وأخلاقه كالسب والشتم والكذب والغيبة والنميمة ( والتي أصبحت فاكهة المجتمعات كلها) والخوض في أعراض الناس والسخرية والاستهزاء بهم كأن يرى نفسه أعلى منهم .
ثالثاً :- صوم العين : قال تعالى : ” قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظو فروجهم ذلك أزكى لهم ” حفظ البصر وغضه عن كل محرم نهى الله والرسول عنه ، فالعين والقلب منفذا واحدا ، إذا فسدت العين فسد القلب ، فأصبحت مجتمعاتنا مجتمعات تغزوها الفساد والتبرج مما أوقع شبابنا في دائرة الإثم حين اطلقوا العنان لبصرهم وتغذيته بكل ماهو حرام ، فالعين تزني وزناها النظر ، لهذا جعلت العين سهم من سهام إبليس ، افحذروه .
رابعاً :- صوم الأذن : قال تعالى : ” إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ” علينا ألا نصغي لمحرم وبغيض يغضب الله ورسوله كالغناء الماجن ، والموسيقا الصاخبة الفاحشة …الخ .
خامساً :- صوم البطن : قال صلى الله عليه وسلم : ” كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ” تجنب كل محرم من طعام وشراب وربا وسحت وأكل مال اليتيم ظلما وعدوانا ، والرشاوي ولعب القمار وبيع المحرمات والمحظورات كالخمر ، فلا نأكل إلا طيباً ولا نطعم أهل بيتنا إلا طيباً .
سادساً :- صوم اليد والرجل : قال صلى الله عليه وسلم : ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ” قد علمنا أن اليد العليا المنفقة خير من اليد السفلى السائلة ، فلا تسرق ولا تبطش ولا تضرب ، فإن سرقت تقطع . وقد علمنا أن لا نسير الا في الطريق القويم ولا ننحرف عن الصواب فلا نذهب لأماكن اللهو وحفلات الرقص الماجنة . وقد سبق لنا الحديث في ذلك .
وفي نهاية المطاف … أحمد الله تعالى الذي وفقني وهداني لكتابة هذه المقالة المباركة ، بعنوانها المميز والجميل ” صيام الجوارح ” حفظ الله لنا ولكم جوارحنا ، فقد قضيت وقتا يسيراً في التفكر والحوار مع الذات وبذل الجهد ، لأخرج لكم بكلمات وعبارات مرضية ، تنال شرف إعجابكم ، لا أدعي كمالها وتمامها لكنني حاولت واجتهدت وكل ذلك في سبيل الله وابتغاء مرضاته ، ما أنا إلا بشر والبشر قد يخطئون وقد يصيبون ، لكن أسأل الله العظيم أن تنال قبولكم ، وتلقى استحسانكم ، وأن يتسع صدركم لقراءة ما خطته يداي دون كلل أو ملل . وصل اللهم وسلم على النبي الأمي محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين . والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.