ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

على أَبوابِ الأَهِلَة ،،، متى تَعودُ أَقمارُنا

ينتظر المسلمون بفارغ الصبر في كل عام أَن يهل عليهم هلال شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران، شهر تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب الشيطان. بيد أن الأبواب التي لا يمكن أن تغلق هي أبواب الوجع الفلسطيني اللا محدود، فكيف يمكن لمن طوى شهر شعبان على فقد حبيب له أن تغلق أبواب مآسيه. نقف كعادتنا نرقب هلال شهر رمضان مرة واحدة بيد أن هناك من يقف كل يوم ليرقب قمره الغائب علَّ شيئا من اللا مستحيل يمكن أن يحدث وأن يعاد اللقاء.

طوت فلسطين شهر شعبان وهي تودع مئات الشهداء، لتغيب تلك الأَقمار عن بيوتها ويحل فيها الظلام. مئات الشهداء مما يعني مئات الأُمهات والآباء والزوجات والأَبناء، سنطرق أبواب غرف أبنائنا لايقاظهم للسحور وسيطرق غيرنا غرفا فارغة لا يوجد فيها الا طعم الموت المرير الذي أذاقه الإحتلال الاسرائيلي لمئات العائلات. سنوقظ نسائَنا لتحضير السَحور بيد أن مئات النساء الفلسطينيات سيقضينَ رمضان دون سماع صوت مؤذنها الحبيب. ستجتمع عائلاتنا على موائد السَحور والإفطار وستبقى مئات الكراسي فارغة في بيوت أَعياها الهم والحزن والفراق، سنقف في اللحظات الأخيرة على شُرَف المنازل ننتظر سماع الأَذان وسيقف غيرنا كعادته يتمنى أن يعود الزمن قليلاً ويقف حبيبه بجانبه ليشاركه حلاوة الإفطار.

آه يا فلسطين، آه على الوجع الذي لا ينتهي والجرح الذي لا يلتئم. آه ثم آه ثم آه تنطلق كل يوم من أطفال يُتموا، ونساء رُمّلوا وأُمهات وآباء فقدوا فلذات أكبادهم. يتحول الفرح لدى هذه العائلات الى حزن، وتتحول مناسبات الإجتماع كما في رمضان الى مآسي، ويؤثر كل منهم على موائد الإفطار أن لا ينظر فيمن حوله حتى لا يشعروا بضعفه وعجزه واشتياقه. تهرب الأُم من عيون أَبنائها وهم يسألونها أين بابا، ويُلهي نفسه الرجل بأي شيء هروباً من عيون زوجته التي تنظر الى مكان ابنهم الفارغ على موائد الإفطار.

ولا تتوقف مآسي العائلات الفلسطينية في رمضان على عائلات الشهداء، فآلاف الأسرى المغيبون عن عائلاتهم ظلماً وقهرا وعدوانا تتحول حياتهم وحياة عائلاتهم الى قصص من الحزن والعذاب والآلام. لوعة الأم على فراق ابنها الأسير لا يمكن أن يُطفئَها الا اللقاء من جديد. الزوجة تبكي والابن يسأل متى يعود والدي والأب تحرقه نيران أَسر ابنه والمسؤوليتات الملقاة على عاتقه ليملأَ فراغ غياب ابنه عن أطفاله. حكايات مآسي الأَسر قد لا تقل عن حكايات الشهداء فلا هو غائب ننساه ولا هو حاضر نأنس بحضوره.

هذه المآسي والمعاناة التي تعيشها أُسَرُ فلسطين وخاصة أُسَرُ الشهداء والأسرى وبالذات في شهر رمضان والأَعياد التي تتفتح فيهما أوجاع الفراق، تفتح الباب أمام أبواب للعبادة قد تكون أعظم من صلاة التراويح أو حتى الصيام بحد ذاته. فكما ان امتناعنا عن الطعام والشراب يذكرنا بالفقراء والجوعى ومن لا يجدون قوت يومهم، فكذلك اجتماع العائلات في رمضان والأَعياد تعتبر مناسبة تذكرنا بمن فقدوا لذة ذلك الإجتماع. فيفتح الله أمامنا باباً من أبواب العبادة وهي رعاية أُسر الشهداء والأسرى وتفقد أحوالهم وادخال البهجة على قلوبهم، هم يحتاجون الى يد حانية تخفف من أَوجاعهم، البعض منهم بحاجة الى من يعوضهم عن غياب المعيل بأن يوفر لهم احتياجاتهم المادية والوجدانية التي فقدوها نتيجة غياب الرجل المتوكل بالانفاق على البيت.

صحيح أننا شعب يعاني ويتجرع مرارة الإحتلال وويلاته، وصحيح أن ما ذكرنا من مآسٍ يتقطع لها القلب، الا أننا كمسلمين يجب ان لا ننسى ما أعده الله للصابرين المرابطين المحتسبين، اشتياقنا وضعفنا أمام عواطفنا يجب أن لا ينسينا أن من لمح فجر الأَجر هان عليه ظلام التكليف. صحيح أننا نتمنى أن يكون الشهداء بيينا الا أن ما يخفف عنا هو أنهم في جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. هو الصبر الجميل الذي أراد الله أن نتحلى به وهي طريق ذات الشوكة ومهر الجنة ورد النفس الى بارئها والله يُنْعِمُ بالبلوى يُمَحِصُنا من ذا سيرقى ومن منّا سَيضْطَرِبُ .

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.