إشراقات سياسية

لم تكن حادثة خطف عمر الكسواني هي الوحيدة

لم تكن حادثة اقتحام حرم جامعة بيرزيت في 7 آذار 2018 ، وعلى إثر ذلك تم خطف ( الأسير ) رئيس مجلس الطلبة عمر الكسواني ، هي الحادثة الوحيدة .

لقد سبقها حادثة مشابها ، ألا هي حادثة ” زيارة ” غبّاي للجامعة متسللاً بوابة خلفية للحرم الجامعي القديم .

وحين تناهى الخبر إلى سمع برامكي ” رئيس جامعة بيرزيت ” ، أدرك خطورة الوضع ، لكنه لم يرغب في مقابلته بمكتبه ( مكتب رئيس الجامعة ) ، فطلب من عزت غوراني ( نائب الرئيس للشؤون المالية والإدارية في حينه ) أن يتم الاجتماع بغبّاي في مكتبه .

وما كاد غبّاي يدخل المكتب حتى تعالت أصوات الطلبة الذين اشتبهوا بدخول مستوطن إلى الحرم الجامعي ( إذ كان غبّاي يعتمر قبعة المتدينين اليهود ، كِبَّاه ، ويضع نظارات ) ! حينها ، أدرك برامكي أن الأمر لن ينتهي على خير ، وخرج إلى الطلبة الغاضبين ، وخاطبهم بالقول : ” إن الرجل أصبح هنا ، ولا سبيل إلى إعادة الزمن إلى الوراء .

علينا أن نخرجه من الجامعة ، لكن إذا أصابه مكروه فسينتهي الأمر بكارثة على الجامعة ، ومجتمع الجامعة “. وبعدئذٍ ، حين هدأ غضب الطلبة قليلاً ، اصطحب برامكي أحد أعضاء مجلس الطلبة وهو ( سامي عايد ) ، ودخل مكتب غوراني حيث رافقا الضابط غبّاي إلى الخارج .

لكن غضب الطلبة لم يكن قد فتر تماماً ، فقد تدافعوا نحو الثلاثة ، الأمر الذي أدى إلى سقوط غابي وغبّاي وتدحرجهما على الدرج : غابي قبل غبّاي ! لكن غبّاي المذعور والخائف حد الموت ، نجا بنفسه خارج الحرم الجامعي ، مخلفاً وراءه قبعته الدينية ( الكِبَّاه ) ونظاراته التي سقطت في أثناء التدافع .

وفور خروجه من الحرم الجامعي ، أشهر مسدسه وأطلق طلقات في الهواء خلال اتصاله لطلب النجدة عبر تعزيزات من قوات الاحتلال ! في هذه الأثناء استرجع برامكي نظارات الضابط المنهزم ، لكن الطلبة أصروا على حرق الكِبَّاه عقاباً للضابط / المستوطن الذي اقتحم الجامعة متسللاً من بوابتها الخلفية ، على الرغم من أي رئيس الجامعة قد حذره من خطورة هذه الزيارة .

أعاد برامكي نظارات الضابط المنهزم إليه بصفته ” غنيمة حرب تم إرجاعها ” ، لكن الكِبَّاه كانت قد التهمتها نيران الطلبة ، وتم إغلاق الجامعة للمرة الثانية على التوالي في ذلك العام على خلفية ما جرى ، كما تم اعتقال سامي عايد ، وللمفارقة تمت إدانته بالمسؤولية عن الحادث مع أنه رافق برامكي لإخراج الضابط الأرعن من أرض الحرم الجامعي الذي دخله متسللاً وغير مرغوب فيه !

يتأمل برامكي ذلك الحدث وهو يستعيده ، ويلتفت إلى رعونة ضباط الاحتلال الصهيوني ، ورعونة دولتهم التي جعلت منهم مهازل إنسانية ، وأكدت عبرهم صوراً نمطية لا تستثير إلاّ الغضب في نفس كل فلسطيني . ويشير برامكي إلى أن الكِبَّاه في تلك الحادثة لم يتم حرقها لاعتبارها رمزاً يهودياً أو ساميّاً كما حلا لصحافة الاحتلال تصوير الأمر ، وإنما لارتباط صورتها في مخيلة الطلبة ( وهم محقون في ذلك ) بصورة المستوطن المتدين الذي اغتصب الأرض الفلسطينية ، وشرد أهلها الذين يعيشون في أحيان كثيرة على مرمى حجر منها ، ولم يكتف بذلك ، بل جاء ليخدم في جيش الاحتلال ويمارس كل أشكال الإهانة والإذلال على الفلسطينيين ، أصحاي الأرض ، الذين يرفضون الامتثال له ولسياسات دولته العنصرية .

ولا يفوت برامكي أن يقارن هذه الصورة البشعة للمستوطن البشع بصورة اليهودي ( الفلسطيني في الغالب ) الذي كان يعيش ، مطلع العشرين ، جنباً إلى جنب مع المسيحي الفلسطيني والمسلم الفلسطيني قبل قيام الكيان الصهيوني .

كما يستذكر بعض اليهود غير الفلسطينيين الذين كانت تربطهم بعائلة جابي علاقات طيبة قبل قيام الكيان الاستعمار الاستيطاني الصهيوني والحركة الصهيونية بتحويل كل يهودي إلى صهيوني ، وجعل كل صهيوني مغتصباً أو جندياً أو مغتصباً وجندياً في آن واحد .

وعلى الرغم من الكارثة التي كادت ” زيارة ” غبّاي تتسبب بها له شخصياً ، وبصورة أكبر لجامعة بيرزيت ، فإن ضباط سلطات الاحتلال الصهيوني لم يكفوا عن اقتحام جامعة بيرزيت بعد ذلك . وقد بلغ صلف الاحتلال ووقاحته أنه في كل ” زيارة ” تنجم عنها مصادمة على هذه الشاكلة ، كانوا يغلقون الجامعة بدلاً من الاعتذار على اقتحامها .

وقد أدت مواجهات عديدة مع الطلبة للأسف إلى سقوط شهداء في ربيع أعمارهم ، كشرف الطيبي في سنة 1984 ، وصائب ذهب وجواد أبو سليمة في سنة 1986 .

 

المراجع : عبد الرحيم الشيخ ، سيرة جابي برامكي وتجربته في جامعة بيرزيت (1929_ 2012) ، غابي قبالة ” غبَّاي ” : كِبَّاه ، ونظارات ، ومعركة بقليل من الغنائم ، الطبعة الأولى ، بيروت ، نيسان / أبريل 2015 ، ص 152_ 153.
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق