اشراقات أدبية

العربية: أصْلُها ونظريات نُشُوئها/ 1

بحث: عبد الرحمن نجم

مَنْ قصد الإيجاز في تعريف (اللغة) قال كما قال الجرجاني وابن منظور: “إنها أصوات يعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم”.
واللغة مع وضوح أمرها وجريانها على كل لسان، وَجَدَ الدارسون في تعريفها تعريفاً دقيقاً بعض العَنَت والمشقة، لكن الذي ارتضاه وقبله معظم الدارسين أن اللغة: “نظام عُرفي لرموز صوتية يستغلها الناس في الاتصال بعضهم ببعض”.
ويتبنى أستاذ الاتصال وعلم النفس “ميشيل توماسيللو” على نحو قريب ذلك التعريف، فيقول: “يَرْغب البشر في تقاسم الخبرة مع بعضهم؛ وهكذا ابتكروا على مر الزمن مُتَواضِعَات رمزية لتحقيق هذا الغرض، وإن عملية اكتساب هذه المتواضعات الرمزية تقود البشر إلى تفهم الأشياء بوسائل ما، تجعلهم لا يتخذون سُبلاً غيرها”.
بينما الرأي الذي استحسنه ابن جنِّي -ولم يَقْطع به- هو النظرية المتقبلة التي ذهب إليها معظم المحدثين، وهو الرأي الذي يقول: إن اللغة الإنسانية نشأت من الأصوات الطبيعية (التعبير الطبيعي عن الانفعالات، أصوات الحيوان، أصوات مظاهر الطبيعة) والأصوات التي تحدثها الأفعال عند وقوعها كصوت الضرب والقطع والكسر، ثم وُلدت اللغات عن ذلك فيما بعد وسارت في سبيل الرقي شيئاً فشيئاً.
وفي هذا ينقل الرافعي أن ابن جنِّي ذهب إلى أن “الإنسان طفل تاريخي؛ فاللغة درس تقليدي طويل مداره على التواطؤ والاصطلاح”.
أما رأي شيخه فقد ذكره ابن جنِّي نفسه فقال: “إلا أن أبا علي قال لي يوماً هي من عند الله، واحتج بقول سبحانه (وعلم آدم الأسماء كلها)”.
وفي هذا المقام يقول أستاذنا الأديب إبراهيم العجلوني في “فصول من النقد”: اللغة في أصل نشأتها توقيف رباني، وإن الله تعالى علم آدم (الإنسانية) الأسماء كلها أي (الألفاظ الدالة على الأشياء كلها)، ثم إنه تعالى جعل المخلوقات أمماً أمثالنا، لها لُغَى ولها أخلاق وأنظمة حياة، وجعل لكل الكائنات تسبيحاً لا نفقهه، كل ذلك على معنى الحقيقة لا مجازاً، وعلى سبيل الفعل الملموس لا سبيل الإمكان الذي يتحصل في الزمان”.
ويضيف العجلوني: “وإذا كانت اللغة في أصل نشأتها توقيفاً ربانياً، فإن مما نَخْلص إليه بعد إمعان أنها في مسارها الفاعل في حياة الأمم والشعوب تَعَلُّمٌ إنساني وتعليم، وأن تَوَسُّمَ نظامها الذي يُمثله نَحْوها وصَرْفها، وإدراك دلالات ألفاظها الذي يمثله مُعْجمها المتنامي هما أساس هذا التعليم، الكفيل بنقل المعارف والمهارات من جيل إلى جيل، وأن تَنَكُّبَ ذلك خروج على سنن الله الذي علَّم القرآن، وخلق الإنسان، وعلَّمه البيان”.
ويَخْتم العجلوني: “إن كل النظريات التي حاول أصحابها تفسير نظام اللغة، لا تعدو أن تكون افتراضات غايتها الركون إلى شيء من يقين في شأن كل اليقين فيه، وحَقُّ اليقين أنه أمْرٌ من أمر الله وآية من آياته”.
…………..
(2) للمقال القادم
أما ابن فارس فعَقَدَ أول باب من أبواب كتابه “الصاحبي” على القول على لغة العرب أتوقيف أم إصلاح؛ فيقول: “إن لغة العرب توقيف وأن لا يد للإنسان في نشأة ألفاظها أو كلماتها، ودليل ذلك قوله جل ثناؤه (وعلم آدم الأسماء كلها)”.
ووافق الجاحظ ابن فارس فقال في “البيان والتبيين”: القول في إنطاق الله عزوجل اسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام بالعربية المبينة، على غير التلقين والتمرين، وعلى غير التدريب والتدريج، وكيف صار عربياً أعجمي الأبوين.
وروى قيس بن الربيع الأسدي الكوفي عن بعض أشياخه عن ابن عباس: “إن الله ألهم إسماعيل العربية إلهاماً”.
ولَعَلَّ القائلين بالتوقيف أظْهَرُ صواباً من غيرهم في الوقوف على أصل اللغة، وإن عالم لغويات كِفَاء قَدْر “نعوم تشومسكي” و”ستيفن بينكر” يقولان رأياً يُطابق في معناه رأي القائلين بالتوقيف؛ فتشومسكي -وهو أستاذ كرسي اللغة في جامعة إم آي تي- يتبنى نظرية تقول: “إن كل اللغات البشرية تشترك في المجموعة العميقة نفسها من القواعد النحوية”.
فيما يذهب بينكر -وهو أستاذ كرسي عائلة جونستون لعلم النفس في جامعة هارفارد- في كتابه “فطرة اللغة” إلى أن البشر يُولدون مَفْطورين على اللغة، ويُدافع بحرارة عن نظرية تشومسكي القائلة بوجود قوانين عالمية تشترك فيها كل اللغات الإنسانية.
بل إن بينكر ذهب إلى حد القول: إنه لو قُدِّر أن يزور عَالَمٌ من كوكب المريخ الأرض؛ فسيستنتج أنه باستثناء الكلمات غير ذات المعنى، فإن أهل الأرض يتكلمون لغة واحدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق