ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

أصحيح أنه (لا يفتي قاعد لمجاهد) ؟

انتشرت على ألسنة كثير من الإسلاميين قاعدة صارت من المسلمات عندهم، وهي قولهم (لا يفتي قاعد لمجاهد)، وصار كثيرون منهم – للأسف – يسيئون استخدام هذه العبارة، حتى صار استخدامها سيفًا مسلطًا من فئة من (الجهلة) و(الأغرار) ضد أهل العلم والوعي والفقه.

وحتى في المواقف السياسية ترى البعض ينبري لمن يدلي برأيه في تلك الأحداث من المخلصين المنشغلين بهموم الأمة، ناقدًا أو ناصحًا، فيُشهر في وجهه هذه القاعدة، ويريد منعه من إبداء الرأي والقيام بواجب النصح.

ليست المشكلة – في نظري – في القاعدة نفسها، فالذي أراه أنها قاعدة صحيحة عندما تفهم في سياقها الصحيح، ولكن المشكلة في فهم هذه القاعدة وتوظيفها (أي تطبيقها على الأحداث التفصيلية).

ولغايات التوضيح سأطرح بعض التساؤلات مع الإجابة عليها:

السؤال الأول الذي يجب الوقوف عنه هو: ما المقصود بـ (الفتوى) هنا؟

الاستفتاء في اللغة يعني السؤال عن أمر أو عن حكم مسألة ما، أما في الاصطلاح الشرعي فهو مقيد بأن تكون تلك المسألة متعلقة بحكم شرعي.

والأصل أن قاعدة (لا يفتي قاعد لمجاهد) تشمل المعنى اللغوي، أي ما هو أعمّ من بيان الحكم الشرعي، وذلك يتضمن ترجيح أحد المباحات.

ومعلوم عند أهل العلم الشرعي أن لكل مسألة حكمًا شرعيًّا عامًّا ينطبق عليها، ففي الجهاد – مثلًا – الحكم الشرعي في إحراق أشجار العدو إن كان في ذلك نكاية بهم وتحقيق مصلحة لجيش المسلمين هو الجواز، والوصول إلى مثل هذا الحكم والإفتاء فيه لا يحتاج أن يكون المفتي فيه (أي المبين لحكم الشرع فيه) من المجاهدين، إذ الوصول للحكم هنا ينطلق من النظر في الأدلة الشرعية، وهي مهمة أهل العلم الشرعي، وهذا النوع من الفتوى لا تنطبق عليه القاعدة التي نتكلم عنها.

ولكنّنا عندما نأتي لتنزيل هذا الحكم العام على واقعة معيّنة فإننا نحتاج لمعرفة مدى تحقيق هذا الفعل للنكاية في العدو وكونه مصلحة للمسلمين، حتى نقوم بتطبيقه، وهذا أمر لا يستطيعه من هو بعيد عن الحدث أو غير مطلع على تفاصيله، وهذا هو الذي تنطبق عليه القاعدة، ولكن يجب الانتباه إلى أن العبرة في جواز الإفتاء (أو إبداء الرأي هنا) هي في الاطلاع على التفاصيل، فلربما كان في ساحة الجهاد من هو قريب منها مكانًا، ولكنه غير مطلع على التفاصيل التي يُتَّخذ القرار بناءً عليها، بينما هناك من هو بعيد عنها مكانيًّا وهو على اطلاع بالتفاصيل اللازمة لإبداء الرأي، فهذا لا يقال له (لا يفتي قاعد لمجاهد).

والسؤال الثاني الذي نقف عنده: من هو القاعد الذي لا يصح له أن يفتي للمجاهد؟

إذ البعض يعتبر كل من لا يحمل السلاح (قاعدًا)، وفي هذا الفهم ما فيه من الخلل، لقد ذكر الإمام الطبري في تفسيره أن (القاعدين) هم (المتخلِّفون عن الجهاد …، المؤثرون الدعةَ والخَفْض وَالقُعودَ في منازلهم).

ومعلوم – بداهة – أن الجهاد ليس في حمل السلاح فقط، فالطبيب الذي يعالج الجنود في الجيش مجاهد، والطباخ الذي يطعمهم كذلك، والعين الذي يزودهم بالأخبار مجاهد، والواعظ الذي يرفع معنوياتهم، والعالم الذي يفتيهم، كل أولئك وهم يتحملون قسطهم من الجهاد ويسدّون ثغرة من الثغرات مجاهدون وليسوا قاعدين.

والمشكلة عندما تشهر هذه القاعدة في وجه رجال أمضوا معظم أعمارهم في ساحات الجهاد، نعم قد تكون الساحات الخلفية المساندة، ولكن بدونها لم يكن للجهاد العملي أن تقوم له قائمة، فيُتهمون بأنهم من القاعدين، مع أن القاعدين – كما أوضحنا – هم الذين آثروا الخمول والدعة، بينما هؤلاء دفعوا ضريبة مواقفهم، ولا يمنّون بهذا على أحد بل لله تعالى عليهم الفضل والمنّة.

أما السؤال الثالث في هذا السياق فهو: من هو (المجاهد) الذي لا يصح لـ (القاعد) الاعتراض على فتواه؟

(الفتوى) كما أسلفنا هي (إبداء الرأي في مسألة لبيان الموقف اللازم اتخاذه فيها).

ويجب أن يكون واضحًا أنه ليس كل من انطبق عليه لفظ (مجاهد)، سواء كان جهاده مباشرًا بحمل السلاح أم غير مباشر (بالدعم اللوجيستي) يصلح لتؤخذ منه مثل هذه الفتوى، فالفتوى لا تؤخذ إلا من أهلها، وأهلها لا بدّ أن يتمتعوا بتأهيل علمي ومعرفة بالواقع تمكّنهم من بيان الرأي الذي ينبغي اتباعه.

أما أن يأتي (غِرٌّ) حمل السلاح، ولم يصل شواطئ العلم فضلًا عن أن يغوص في بحاره، وليست له في الواقع وظروفه وتوازناته كبير خبرة، بل هو لا يرى أبعد من أرنبة أنفه، ثم إذا نصحته أو وجهته قال لك لا يفتي قاعد لمجاهد، فَلَعَمري إن تلك إحدى الدواهي.

وكما قال أحد الإخوة الأفاضل ممن اكتوى بنيران النقد لنشره رأيًا له ينتقد فيه بعض إخوانه، وهذا الفاضل من المجاهدين وليس من القاعدين، فهاجمه كثيرون من السطحيين بتلك العبارة، فكتب يقول:

“هذه العبارة من أكثر العبارات التي أضرت بالإسلام، فقد وكلت أمر الإسلام والجهاد لمجموعة من الشباب، وحرمت حركة الجهاد من الإطار الفكري والسياسي، وحتى الإطار الشرعي العميق، لذلك تحولت حركات الجهاد في كثير من البلدان إلى حركات صبيانية تم اختراقها وآذت المسلمين أكثر مما آذت غيرهم، لذلك يجب أن يفتي أصحاب الفتاوي الشرعية والسياسية والاقتصادية، سواء كانوا قاعدين أو مجاهدين، فالفتوى بحد ذاتها جهاد”.

ومع موافقتي لغالب ما قال، إلا أنني أعتقد أن الضرر حصل من سوء فهم هذه العبارة، لا منها نفسها.

 

م. عيسى الجعبري

7/5/2018

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.