ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

ليلة القِسْمة والإجَابة

تلخيص لرسالة فتح الكريم المنَّان بفضائل شهر شعبان

بسم الله الرحمن الرحيم
ليلة القِسْمة والإجَابة
تلخيصًا مِن رسالة
فتح الكريم المنَّان بفضائل شهر شعبان

الحمد للهِ ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا المصطفى الهادي الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين…
هناكَ قاعدة مقررة عند أهل العلم: أنَّ الزمان يشرف بما يقع فيه مِن حوادث، وكلما كان الناس ارتباطهم وتأثرهم بالحادثة قويًا وعظيمًا حظيَّ الزمان التي وقعت به بذلك أيضًا، وقد حدث في شهر شعبان، الشهر الذي إذا عوَّدت به نفسك بالاجتهاد اجتهاد التخلص مِن أمراض القلب، ومِن سيئات كافَّة أعضاء ذاكَ الجسد، وتزيينه بتوبةً خالصةً لله تعالى، كنتَ ممن فاز برمضان بحسن الاعتياد على الخيرات والطاعات وكافة العبادات..
فقد وقع في شهر شعبان الكثير من الحوادث جعلت من ذاكَ الشهر وقع عظيم في نفوس الأمَّة المحمديَّة فمنها: تحويل القبلة، ورفع الأعمال، كثرة صيام خاتم الأنبياء فيه صلى الله عليه وآله وسلم، شهر الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشهرٌ به ليلة مباركة مُكرَّمة من عند الله، والتي نحن بصدد الحديث عنها هنا، إنَّها ليلة النصف من شعبان.
ليلة النصف من شعبان تعتبر ليلةً يغفر بها الله لمَن طلب المغفرة، ويرحم بها سبحانه من طلب الرحمة، ليلة إجابة السؤال، وتفريج ما بكَ من الكربِ وسوء الحال، ليلةً يعتقُ بها الكريم المنَّان جماعةً مِن النَّار..
ولهذه الليلة  مُسميات متعددة ذكرها لنا العلماء، وهذا إن دلَّ فإنما يدل على شرفها، فمِن أسمائها: ليلة القِسمة، وليلة الحياة، ليلة الإجابة، وليلة الشفاعة، ليلة البراءة، وليلة الرجحان، ليلة التكفير، وليلة الغفران، ليلة الجائزة، والليلة المباركة..
يتم إحياء تلك الليلة بأشياء متعددة، اختلف بها علماء الشام على قولين:
أولهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المسجد, فقد كان خالد بن معدان, ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون, ويقومون إلى المسجد ليلتهم تلك, ووافقهم اسحاق بن راهويه على ذلك, وقال في قيامهم في المسجد جماعة: ” ليس ذلك ببدعة “.
ثانيهما: أنه يُكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء, ولا يُكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه. وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى.
ولتلك الليلة فضل عظيم وخيرٌ وفير، ذكرتها أحاديث كثيرة و متعددة ، لا تخلو من انقطاعٍ وضعفٍ، على الاختلاف بدرجات ضعفها، فمنها الضعيف، ومنها الأخف ضعفًا، وعمل الحافظ ابن حبَّان على تصحيح بعضها..
فقد قال  ابن حجر الهيتمي في (الدر المنضود): “وقد اتفق الأئمة من المحدثين والفقهاء وغيرهم كما ذكره النووي وغيره, على جواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل والترغيب والترهيب, لا في الأحكام ونحوها ما لم يكن شديد الضعف”.
وكذلك اشترط العز بن عبد السلام وابن دقيق العيد :أنيكون مندرجًا تحت أصلٍ عام”،  حقل عن شيخ , وقد نُقِلَ عن شيخ السنَّة الإمام أحمد رضي الله عنه: أنَّه يُعمَل بهِ مُطلقًا- أي بالحديث الضعيف-  إذا لم يكن في الباب غيره” ولم يكن هناك ثمَّة ما يعارضه, وما ورد من الأحاديث في فضل ليلة النصف من شعبان وفضل إحيائها مما يجوِّز العمل به مع ضعفه, لتوفر الشروط فيه.
ونذكر هنا أشهر الأحاديث التي ذكرَت في باب أفضلية ليلة النصف مِن شعبان:
أخرج الطبراني, وابن حبان عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه, عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يطلع  الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان, فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مُشاحِن ) . والمشاحن: منافق شرير يبعث الشقاق, ويوقد نار العداوة بين المتحابين.
وروى البيهقي من حديث السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها: أن رسول الله صلى الله وآله وسلم قال: ( أتاني جبرائيل عليه السلام فقال: هذه ليلة النصف من شعبان, ولله عتقاء مِن النار بعدد شعور غنم كلب, ولا ينظر الله فيها إلى مشرك ولا إلى مشاحن، ولا إلى قاطع رحم, ولا على مُسْبِل, ولا إلى عاق لوالديه, ولا إلى مدمن خمر … )  وذكر الحديث بتمامه.

وأخرج الطبراني, والبيهقي من طريق مكحول  عن أبي ثعلبة الخُشني رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:  يطلع الله إلى عباده ليلة النصف من شعبان, فيغفر للمؤمنين, ويمهل الكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه) . أي يتركهم حتى يتركوا الحقد. قال البيهقي: “وهو بين مكحول وأبي ثعلبة مرسل جيد”ا.هـ.
وأخرج البيهقي بإسناد ضعيف عن عثمان بن أبي العاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا كان ليلة النصف من شعبان, نادى مناد : هل من مستغفر فأغفر له؟, هل من سائل فأعطيه؟, فلا يسأل أحد شيئا إلا أعطيه، إلا زانية بفرجها، أو مشركًا) . هكذا جاء في رواية البيهقي, وجاء في رواية غيره غير مقيد بليلة النصف.
وأخرج البيهقي عن العلاء بن الحارث: أن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها قالت: قام  رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنه قُبض، فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك, فرجعت, فلما رفع رأسه من السجود, وفرغ مِن صلاته قال: (يا عائشة – أو يا حُميراء- أظننتِ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خاس بك؟، قلت: لا والله يا رسول الله, ولكني ظننت أنَّكَ قُبضت  لطول سجودكَ، فقال: ( أتدرين أي ليلة هذه؟) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هذه ليلة النصف من شعبان, إن الله عز وجل يطلع على عباده فيليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين, ويرحم المسترحمين, ويؤخر أهل الحقد كما هم) . قال البيهقي: “هذا مرسل جيد, ويُحتمل أن يكون العلاء أخذه من مكحول”ا.هـ.

ومما يجب أن يشار إليه أنه قد ورد أحاديث باطلة مردودة في فضل ليلة النصف من شعبان وكيفية الصلاة فيها، وهي مردودة لا يصح العمل بها, ولا نشرها بين العوام إلا للتحذير منها والرد عليها. والله ورسوله أعلم..
أسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن ييّسر لنا أمورنا، وأن يختم لنا حياتنا على الدين الحق القويم، وأن يبارك لنا في شعبان، وأن يُبلغنا رمضان، ونحنُ في أحسنِ حال، وما هذا على الله بِمُحَال، إنه سميعٌ مجيبٌ للدعاء…
 

وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وزد وبارك على سيدنا محمَّد وعلى آل بيته وصحبه الطيبين الطاهرين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.