إشراقات سياسية

التقاعد المبكر بين الايجابية والسلبية

التقاعد المبكر بين الايجابية والسلبية

عند الحديث عن التقاعد المبكر نقصد هنا ما هو دون السن المحددة لتقاعد الموظف المدني والعسكري المتعارف عليه في بلادنا سن الستين عاما , وهنا يمكن تقسيم التقاعد المبكر لقسمين :-

الأول : التقاعد المبكر بناء على رغبة الموظف وإرادته ومن دواع شخصية

والثاني : التقاعد المبكر القسري الذي يجبر الموظف على التقاعد دون رغبة منه وبناء على قرار من المستوى الإداري التنفيذي في الحكومة استنادا لتوصيات مسؤوليه في الوزارة .

التقاعد ومبررات الواقع :-

ربما هدفت الحكومة  وصانع القرار من تشريع قانون استثنائي صادر عن الرئيس بهدف إتاحة المجال لدمج آلاف الموظفين في قطاع غزة ضمن مشروع المصالحة الوطنية المنتظر بين جناحي الوطن , وامتد القانون ليطبق في الضفة الغربية لان الولاية الادارية والقانونية واحدة تشمل الضفه والقطاع , وهنا ننظر  لسن هذا القانون انه يحمل غاية نبيلة من الناحية الفلسفية والتنظيرية  , وان كان قد تضررت منه مجموعة من الموظفين .

الا انه استغل لحسم خلافات شخصية او سياسية بين بعض المتنفذين وموظفيهم في الوزارات المختلفة , وبالتالي تضرر منه عشرات الموظفين تحت بند التقاعد المبكر  القسري الذي فهم منه انه اتخذ كعقوبة لهم بناء على خلاف اداري او نقابي او سياسي مع القائمين على السلطة التنفيذية في البلد .

التقاعد المبكر مخالف للقانون :-

اكد النشطاء النقابيون والحقوقيون ان قانون التقاعد المبكر المؤقت قد خالف العديد من القوانين الناظمة للعمل في الوظيفة العمومية  – القانون الاساس وقانون العمل وقانون الخدمة المدنية وقانون التقاعد العام – وطالبوا بوقفه ومعالجة كل الاثار التي نتجت عنه وعودة المتقاعدين الى عملهم خاصة الذين اجبروا على ترك وظائفهم بشكل قسري .

التقاعد هدر للطاقات :-

يلاحظ ان العديد من الموظفين الذين احيلوا للتقاعد المبكر القسري او برغبتهم هم الطاقات الوظيفيه والمهنية الشابة المميزة والمعطاءة وفي ذروة عطائهم وإنتاجيتهم المهنية والوظيفية وهذا السلوك سيترك وبلا شك فراغا مكانهم في الاداء والإنتاج , و سينعكس على الخدمات المقدمة للجمهور الفلسطيني بشكل عام .

فقدان الامن والامان الوظيفي :-

هذا القانون المؤقت وما بني عليه من قرارات تعسفية من وجهة نظر الموظفين العموميين عززت حالة انعدام الثقة والأمن الوظيفي , لان مصيرهم  اصبح مرهونا بجرة قلم او مزاجية من قبل بعض المتنفذين استنادا لخلافات شخصية او فكرية او سياسية مع عدم وجود منظومة قانونية حامية لحقوقهم في ظل اختراقها وتجاوزها السهل بناء على توصية الجهات الادارية التنفيذية في البلد .

وهذا السلوك يحد من نسبة الانتماء والولاء للوظيفة لشعور الموظف المدعم بالوقائع انه في مهب الريح , وسينعكس على ادائهم وانتاجتهم وإبداعهم الوظيفي المنعكس على الجمهور والتي ستكون له تداعيات اجتماعية واقتصادية على ميزانية الدولة .

المؤدي تلقائيا الى تعزيز فقدان الثقة والولاء للسلطة الحاكمة وربما ايجاد حالة من النزعة الانتقامية لشعور الموظف بالظلم والإقصاء والقهر الوظيفي المتعمد من قبل المسؤولين .

النقابات والتقاعد المبكر :-

النقابات تمثل إرادة الموظفين الفكرية والسياسية التي هي انعكاس لإرادة الجماهير بالتالي هي الأقدر على تمثيل إرادة الجماهير في صياغة الفلسفة العامة خدمة لأهداف وتطلعات المجتمع وآماله وطموحاته , و هي التي تعمل على تحقيق العدالة بين أبناء المجتمع  في التوظيف والترقي في الوظائف الاشرافيه والقيادية للمؤسسة  , ويأتي ذلك عبر الدور الرقابي للنقابات على الأداء الحكومي في مختلف الوزارات ,و الشراكة الحقيقية المتكاملة مع الحكومة  .

 ولاننا لم نعش تجربة العمل النقابي الحقيقي المنبثق من إرادة الموظفين والممثل لها  , عبر سنوات السلطة الفلسطينيه إنما عايشنا ظاهرة  موظفين نقابين اعتبروا العمل النقابي بالنسبة لهم مجرد وظيفة ليس أكثر , لذا من الطبيعي أن ينعكس هذا الشعور على أدائهم في إدارة  العمل النقابي في فلسطين ويصاب العمل بحالة من الجمود والترهل وافتقاره للإبداع والابتكار والتميز والمشاركة الفاعلة في  الخدمات المقدمة للموظفين

وصولا الى اجهاض المؤسسات النقابية المدافعة عن حقوق الموظفين , وتحويلها الى مؤسسات تتبنى سياسات الحكومة مع الصمت المطبق على سياسة التقاعد الاجباري القسري التي اتبعتها الحكومة بحق عدد كبير من الوظيفة العمومية .

  • الخاتمه :-

في ظل الانقسام السياسي وطغيان الخطاب الحزبي وغياب الخطاب الوحدوي المهتم بالشأن والمصلحة العامة للشعب الفلسطيني , وارتفاع وتيرة التغول على القانون باسم القانون , وتراجع دور النقابات المدافعة عن حقوق اعضائها وانصارها  , لصالح السلطة التنفيذية حتى اصبحت ما تسمى بالنقابات والاتحادات المهنية تعيش وحدة حال مع الحكومة , امام هذا المشهد  فمن غير المستغرب تفرز ظاهرة  التقاعد المبكر بغض النظر عن النتائج المترتبه عليها من وجهة متخذ القرار .

أمام هذا الحال لا بد للنقابات ان تستعيد عافيتها وتتحمل مسؤوليتها في حماية مصالح اعضائها من الهدر والضياع , ولا بد ايضا للمنظومة القانونية والمدافعين عنها ان يكون لها موقف لحماية القانون نصا وروحا من حيث التنفيذ و التطبيق على المواطنين .

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق