ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الأسرى؛ نموذج إحصائي من داخل السجن

الأسرى؛ نموذج إحصائي من داخل السجن

كنتُ ولا زلتُ مغرمًا بـ (الإحصاءات)، ليس لخلفية شهاداتي الأكاديمية العلمية فقط، وإنما لإدراكي دورها في مساعدة صاحب القرار على ترشيد قراراته، وأصحاب الفكر والعمل على تقويم نتائج أعمالهم، ولذلك كنت – أيام السجن – حريصًا على جمع معلومات إحصائية حول البيئة التي أعيش فيها وتوثيق هذه المعلومات، ولأجل ذلك كنت أستعين بـ (أرشيف) السجن، وهو أرشيف تحتفظ به التنظيمات، ولكل قسم أرشيف خاص به، وهناك أرشيف عام للسجن كله، وهو يحوي معلومات وافية عن كل من يدخل القسم أو السجن، وفي بعض الأحيان كنت أقوم بعمل استمارات إحصائية خاصة بي لجمع بعض المعلومات وتوثيقها في مذكراتي أثناء الاعتقال، وقد تجمع لديّ عدد من المعلومات الإحصائية الرقمية في مراحل مختلفة، وثقتها ضمن مذكراتي (التي لم أنشرها بعد).

وقد كان من المفيد بل والجميل والممتع أن نسجل وصفًا إحصائيًا للأسرى الفلسطينيين الموجودين في سجون الاحتلال، ومن فوائد ذلك أن نحفظ هذه المعلومات للتاريخ وأن نتعرف على الفئات التي تواجدت في السجون وحملت رايات النضال ضد الظُلّام، وكم أتمنى لو تقوم جهات مختصة بعمل هذه الدراسات الإحصائية من فترة لأخرى بحيث تشمل كل الأسرى.

وسأعرض اليوم في مقالي هذا نموذجًا لمعلومات إحصائية عن قسم (ب7، الكرافانات) في (سجن النقب)، والذي عشت فيه عدة أشهر في سنة (2009).

قسم (ب7) كان يقع في القلعة التي كانت تسمى – ولا تزال – قلعة (الكرافانات)، وعندما دخلتها في نهاية شهر (1) من سنة 2009، ودخلت حينها قسم (أ4)، كان فيها نحو (1000) أسير، منهم (322) من حماس، و(46) من الجهاد، و(16) من الشعبية، وهؤلاء الـ (390) يعيشون في أقسام حماس، وهي: الأقفاص، و(ب2)، و(ب8)، والأسرى الباقون، وهم نحو (600) يعيشون في أقسام فتح، وأغلبهم من فتح، وفيهم أسرى من الجهاد والجبهة الشعبية، إذ ليس لهذين الفصيلين أقسام خاصة بهم، وهم يعيشون في أقسام حماس أو فتح.

وعندما انتقلت لاحقًا إلى قسم (ب7)والذي كان يحوي (15) غرفة، منها (3) لحركة الجهاد الإسلامي والباقيلحماس، قمت بعمل استبانة إحصائية واستعنت بأرشيف القسم، وقد شملت دراستي تلك أسرى حماس فقط، وتمت في الفترة في منتصف سنة (2009)، وكان عدد مجاهدي حماس في القسم حينها (94) مجاهدًا، والذين أجابوا على أسئلة تلك الاستبانة كان (89) مجاهدًا فقط من المجاهدين الـ (94)، ولذلك سيجد القارئ أن بعض المعلومات تغطي كل عدد المجاهدين (وهي المجلوبة من الأرشيف)، وفي بعضها أنها لا تغطي سوى عدد من أجابوا على (الاستبانة) فقط، وعددهم (89) مجاهدًا.

وكانت أهم المخرجات من التي وصلت إليها ما يلي:

  • التوزيع المناطقي:

أغلب المجاهدين كانوا من منطقة الخليل، فقد كان يوجد في القسم (54) مجاهدًا من محافظة الخليل، يشكلون (57%) من مجموع مجاهديه.

أما المجاهدون من المناطق الأخرى فكانوا كما يلي: من بيت لحم (13) مجاهدًا، ومن نابلس (7)، ومن طولكرم (5)، ومن القدس (3)، ومن سلفيت (3)، ومن جنين (2)، ومن قلقيلية (1)، ومن خانيونس (1).

أما أسرى محافظة الخليل فقد كان توزيعهم على مدن وبلدات المحافظة كما يلي:من نفس مدينة الخليل (24) مجاهدًا، ومن دورا (17)، ومن صوريف (6)، ومن السموع (4)، ومن بيت أولا (3) مجاهدين.

  • الحالة الاجتماعية: 94

كان أكثر من نصف المجاهدين عزابًا، والمتزوجون كان عددهم (38) مجاهدًا، وكان لدينا (6) مجاهدين في مرحلة الخطوبة.

  • المؤهلات الأكاديمية: 89

أقسامنا بالذات فيها نسبة مميزة من المتعلمين بفضل الله، فنحو نصف المجاهدين يحملون شهادات فوق التوجيهي أو هم طلبة جامعيون، والتقسيم كالتالي:

فقد كان لدينا (5) مجاهدين يحملون شهادات الماجستير، و(18) مجاهدًا يحملون شهادة البكالوريوس، و(5) معهم شهادة الدبلوم المتوسط، وكان بين مجاهدينا (21) طالبًا جامعيًّا ما زالوا على مقاعد الدراسة، والذين لم يكملوا دراساتهم العليا كان منهم (32) مجاهدًا يحملون شهادة التوجيهي، وهناك (7) وصلول للمرحلة الإعدادية فقط، ومجاهد واحد لم يتجاوز المرحلة الابتدائية، وهناك (5) مجاهدين لم يجيبوا على تلك الاستمارة.

  • طبيعة الاعتقال

النسبة الأكبر من مجاهدي القسم كانوا يقضون أحكامًا نافذةً بالسجن، وعددهم (67)، بينما كان يقبع (27) من المجاهدين في الاعتقال الإداري.

  • تكرار السجنات

يعتبر تكرار السجنات مؤشرًا مفيدًا في دراسة أثر السجن على استمرار المرء في طريق النضال، وإن كان وحده ليس مؤشرًا كافيًا دون أخذ العوامل الأخرى بعين الاعتبار، وقد لاحظت في الاستبانة التي أجريتها أن أكثر من نصف مجاهدينا لم تكن هذه السجنة هي الأولى بالنسبة لهم، فقد كان هناك (48) مجاهدًا، نسبتهم (51%) من مجموع المجاهدين، قد سجنوا قبل هذه المرة، منهم (17) مجاهدًا سجنوا أكثر من (4) مرات، وهؤلاء الذين سجنوا أكثر من (4) مرات فيهم:

  • (7) أسرى سجنوا (5) مرات.
  • (5) أسرى سجنوا (6) مرات.
  • (2) أسيران اثنان سجنا (7) مرات.
  • (1) أسير واحد سجن (8) مرات.
  • (1) أسير واحد سجن (10) مرات.
  • (1) أسير واحد سجن (15) مرة.

أما المجاهدون الذين كانت هذه هي المرة الأولى التي يسجنون فيها، وعددهم (46) مجاهدًا، فيلاحظ عليهم بعد التمعّن في المعلومات عنهم ما يلي:

  • منهم (29) مجاهدًا، أي (63%) من المسجونون للمرة الأولى، أعمارهم تحت 25سنة.
  • ومنهم (8) مجاهدين أعمارهم من [25-30] سنة، من ضمنهم (5) أحكامهم من (5) سنوات فما فوق.
  • ومنهم (9) مجاهدين أعمارهم أكثر من [30] سنة.

وهذه النتائج تعني أن أغلب المسجونين للمرة الأولى هم في مقتبل أعمارهم، فالمتوقع – بإذن الله – أن لا يكون السجن مانعًا لهم من تكملة المشوار الذي هم في بدايته، كما لم يكن مانعًا لهؤلاء الذين تكرر سجنهم من مواصلة طريقهم النضالي.

  • الفئات العمرية:

كما هي العادة السائدة في السجون فإن فئة الشباب هي التي تشكل أغلبية المجاهدين، فقد كان عدد الذين تقع أعمارهم دون سنّ الـ (30) عامًا في ذلك القسم (51) مجاهدًا، ومع ذلك فإن هذه النسبة منخفضة بالنسبة لباقي أقسام السجن، ولفترات أخرى، فقد كان يتواجد عدد لا بأس به (نسبيًّا) من كبار السنّ في القسم الذي كنا فيه، ولعلّ رغبة كثير من كبار السن في السكن في أقسام الكرافانات لتميزها بالهدوء ساهم في ذلك.

وتوزيعة الفئات العمرية للمجاهدين في القسم كانت وفق الجدول التالي:

  • من (20 – 24) عامًا: (34) مجاهدًا، نسبتهم (36.2%)
  • من (25 – 29) عامًا: (17) مجاهدًا، نسبتهم (18.1%)
  • من (30 – 34) عامًا: (16) مجاهدًا، نسبتهم (17.0%)
  • من (35 – 39) عامًا: (8) مجاهدين، نسبتهم (8.5%)
  • من (40 – 45) عامًا: (6) مجاهدين، نسبتهم (6.4%)
  • من (45 – 49) عامًا: (9) مجاهدين، نسبتهم (9.6%)
  • من (50 – 55) عامًا: (4) مجاهدين، نسبتهم (4.3%)
  • إحصائيات قرآنية:

عدد الذين أجابوا عن الأسئلة في الاستبانة القرآنية (89) مجاهدًا، وقد كانت النتائج كما يلي:

  • عدد الأجزاء المصرح بحفظها (1034) جزءً، بمعدل (11.6) جزءً لكل مجاهد.
  • الذين يحفظون القرآن الكريم كاملًا عددهم (15) مجاهدًا.
  • الذين يحفظون أكثر من (20) جزءًا (7) مجاهدين.
  • الذين يحفظون من (15) إلى (20) جزءًا (4) مجاهدين.
  • الذين يحفظون من (10) إلى (15) جزءًا (13) مجاهدًا.

فيكون مجموع الذين يحفظون أكثر من (10) أجزاء (39) مجاهدًا، نسبتهم من مجموع المجاهدين (41.5%)، ونسبتهم من الذين أجابوا على الاستبانة (43.9 %).

ويلاحظ أن أغلب الحفظ كان في السجن، فهناك (66) مجاهدًا أغلب حفظهم للقرآن كان في السجن، منهم (11) مجاهدًا من الذين يحفظون القرآن كاملًا حفظوه في السجن.

  • الحاصلون على إجازة تجويد كان عددهم (62) مجاهدًا.

وقد ازداد عدد حفظة القرآن في القسم لاحقًا، بإتمام بعض الإخوة الحفظ، وانتقال إخوة حفظة للقسم، حتى صار عندنا في القسم (15) أخًا معهم سند متصل بقراءة القرآن، سوى من كانوا يقرؤون ولم يُتموا قراءتهم بعد.

هذه المعلومات تشكل نموذجًا لعله يقرّب صورة من صور أسرانا داخل سجون الاحتلال، مع ضرورة ملاحظة أن هذه المعلومات غطت قسمًا واحدًا في فترة معينة، ولا يمكن تعميمها على كل الأقسام وفي كل الفترات.

 

م. عيسى خيري الجعبري

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.