اشراقات أدبية

اللغة العربية.. نشأة الكلام

يَقْتضينا الأصل حينما نتعقب ميلاد اللغة العربية ألا نَعْزلها عن أخواتها في الأسرة السامية، لأنها انبثقت منها، لذا فالحديث عن العربية ليس بمعزل عن الحديث عن السامية؛ من حيث هي الحضن اللُّغوي والمَهْد الزمني للعربية.
ولقد قرر الإسلام مستقبل العربية، فكان انتشاره إيذاناً بانتشارها لغةَ خطاب بين الناس، وبقيام أدب عربي عريض، والعربية لغة ذات تاريخ طويل، ويبدأ هذا التاريخ في القرن الخامس قبل الميلاد، إذا أدخلنا في اعتبارنا النقوش الثمودية والنقوش الشبيهة بها، أو في عام 328م بنقش النمارة، ويستمر تاريخ العربية بعد ذلك في خط متصل حتى يومنا هذا.

يُعتبر الكلام أساساً عملية تلقائية لا شعورية؛ وعليه فمن البداهة أن نفترض أن الكلام قد استخدم منذ آلاف السنين، قبل أن يبدأ الإنسان التفكير في طبيعة هذه العملية، فاللغة عمل عقلي إنساني وليست عملية آلية حسية.
وقد دأب العقل البشري على أن يَخْضع خضوعاً تاماً للقوانين التي تَحُدُّ من نشاطه، وإن كان من المحتمل أن تجعل غالبية الناس يتصرفون ويفكرون بالطريقة نفسها لفترة محدودة من الزمن، وما أنْ يظهر تطور فكري في أي مكان وزمان، حتى تظهر مجموعة في نفس المكان والزمان تعارض هذا التطور، وهذا ما يحدث أيضاً في حالة تطور اللغات.

فتدلنا الملاحظة على أنه من المحتمل جدًا أن يوجد نُطقان مختلفان؛ أحدهما جديد والآخر تقليدي محافظ، أو أكثر يتعايشان سوياً لسنوات عدة قد تصل أحياناً إلى قرون عدة، وأنه نادراً ما يكون هذا التطور عاماً في مكان واحد ووقت واحد.

ولا شك أن الفضل في نشأة اللغة الإنسانية -بعد الله- يرجع إلى المجتمع نفسه وإلى الحياة الاجتماعية؛ فلولا اجتماع الأفراد بعضهم مع بعض، وحاجتهم إلى التعاون والتفاهم وتبادل الأفكار، والتعبير عما يَجُول بالخواطر من معان ومدركات، ما وجدت لغة ولا تعبير إرادي.

وبالتالي؛ ليست المشكلة في البحث عن الأسباب التي دعت إلى نشأة اللغة، ولا في البحث عمن أنشأها، وإنما المشكلة في البحث عن العوامل التي دعت إلى ظهورها في صورة أصوات مركبة ذات مقاطع متميزة الكلمات، فضلاً عن الكشف عن الصورة الأولى التي ظهرت بها هذه الأصوات؛ أي الأسلوب الذي سار عليه الإنسان في أول الأمر في وضع أصوات معينة لمُسميات خاصة، وتوضيح الأسباب التي وَجَّهته إلى هذا الأسلوب دون غيره.

ويؤكد الأستاذ في جامعة جورج مايسون “جيمس تريفل” أن الإنسان يستخدم اللغة بشكل مُرتجل وبلا وعي، إلى درجة يغدو التفكير فيها عملاً مُجهداً، قائلاً: “تبدو مَلَكة اللغة البشرية مُبرمجة بشكل حتمي في بنية أدمغتنا؛ أي أنها بعبارة أخرى تَكيُّف جسدي من قبل نوعنا، للبيئة التي وَجد أسلافنا أنفسهم فيها”.

ويرى “تريفل” أن محاولة تخيل إمكانية اكتساب اللغة من دون نوع من الأساس الوراثي ستكون أمراً صعباً، مضيفاً: “اللغة البشرية تتألف من مستويين؛ المستوى العميق من القواعد المبرمج بحتمية وراثية، والمستوى السطحي من اللغة المنطوقة والمكتوبة”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق