ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

زيارة إلى سجن النقب

قلم :حنين عمر البنا / زوجة الأسير المحرر أحمد عواد رسم: رسامة الأسرى إلهام نزال / وزوجة الأسير المحرر محمد نزال

  • بداية رحلة الزيارة …

الاستيقاظ قبل بزوغ الفجر لتجهيز النفس للذهاب الى الزيارة، وتجهيز ملابس الأسير، وإيقاظ الأطفال وتبديل ملابسهم وتجهيزهم بأجمل صورة ، وتحضير بعض الحاجيات اللازمة للطريق الطويل، والتأكد من أخذ الهويات والتصاريح وشهادات الميلاد ..

هي أول مهمة على بداية الطريق ليومٍ شاق وطويل ..

  • النقطة الأهم..

الالتزام بالوقت والوصول قبل الموعد المحدد ( الساعة ٥:٣٠ فجراً ) إلى محطة تجمع الباصات التابعة للصليب الأحمر والتي ستنقل الزوار الى السجن، وإلا سوف تفوتك فرصة الذهاب إلى الزيارة ..

( وصارت بالفعل مع ناس كتير قبل هيك قاموا من النوم متأخر، وراحت عليهم الباصات وندموا ليوم الندم )..

 


  • ساعة الانطلاق ..

الساعة ( ٥:٣٠ ) انطلق الباص الأول الذي يحمل الزوار إلى السجن ، متوجهاً إلى حاجز أو معبر ( الطيبة )، وبمجرد الوصول إلى ذلك المعبر تبدأ المعاناة ..

قهر.. إذلال.. إهانة.. وألفاظٌ نابية من جنود الإحتلال، وفوق كل ذلك تَدافُع العمال الذاهبين للعمل في داخل أراضينا المحتلة، وتسلُقهم من فوقِنا، وتسللهم من تحتِ أرجُلنا وعن يميننا وعن شمالنا ..!

هنا يجب عليك أخذ الحيطة والحذر وإذا كان معك أطفال أن تحمليهم عالياً حتى لا يُصابوا بالاختناق ..!

 


 

  • نقاط التفتيش ..

في المعبر؛ يمُر الزوار بثلاث نقاط تفتيش ..

نقطة التفتيش الأولى: مررنا على بوابة تُصدر رنين في حال تواجد معادن أو ما شابَه، وإلى جانبنا كانت تمرُّ الحقائب والجوالات والنقود وكل شيء نحمله ( حتى القشط وشال الكتف ولفحة الرقبة)، كلها تمر داخل جهاز يصورها تصويراً دقيقاً ويكشف كل ما بداخلها .

( وهناك إذا كان حظك حلو كتير بترن الماكنة على أغراضك لأنه بس راح تفتحيهم وتشيلهم قطعة قطعة، أما إذا حظك “………. ” بتزمر عليك البوابة وإنتي ماشية 😖😖.. ساعتها بدك تضطري تفوتي على ( المعّاطة ) ..!!😫

نقطة التفتيش الثانية:  مررنا بثاني نقطة تفتيش داخل المعبر، وهي غرفة مغلقة يتجمع فيها كل عشرة أشخاص مع بعضهم البعض، وتحتوي تلك الغرفة على جهاز ( إحنا بنسميه المعّاطة لإنه بيكشف كل شي بجسمك 😞)، وهو جهاز نقف بداخله ونضع أقدامنا على مكان مرسوم مخصص للوقوف، وبعدها تُغلَق علينا بوابة زجاجية ثم تدور من حولنا…

وبعد الانتهاء من تفتيشنا بهذا الجهاز، يتم فحص الهويات والتصاريح وشهادات ميلاد الأطفال، ثم ننتقل إلى نقطة التفتيش الثالثة …

 

نقطة التفتيش الثالثة: مررنا بآخر نقطة تفتيش على المعبر، وهناك كان يوجد عدة شبابيك أمامها عدًّة طوابير، ووقفنا بأحد الطوابير الطويلة، وبعد مرور وقتٍ طويل على دورنا، ومن حسن الحظ ( طبعاً العكس )، جاءت فترة استراحة وتغيير “الشيفتات” للجنود …!!

( ومن كتر الحظ الحلو، الجندية راحت وبطلت ترجع 😩 ، واضطرينا بعد انتظار طويل ننتقل إلى شباك ثاني ونصف من جديد خلف طابور طويل 😩..!!)

وبعد وقوفٍ وانتظارٍ طويل.. وصل دورنا أخيراً، وتم فحص الهويات والتصاريح للمرة الثالثة ومن ثم الختم على التصريح ( حتى لا نتمكن من الزيارة مرة أخرى على نفس التصريح لأنه كان تصريحاً أمنياً)!.. وانتهينا من مرحلة المعبر لننطلق إلى مرحلة جديدة ..


  • مرحلة الوصول إلى سجن النقب ..

وصلنا إلى سجن النقب الساعة ١١ ظهراً ، وهناك دخلنا إلى ساحة مُظللة وفيها مقاعد، ولكنًّ المقاعد كانت متسخة جداً وعليها قاذورات وفضلات الطيور و لا تصلح للجلوس عليها إلا بعد التنظيف، فقمنا بتنظيفها ثم الجلوس عليها، وانتظرنا ما يُقارب الساعة حتى تُفتَح الشبابيك الخاصة بإدخال الملابس والنقود للأسرى..

ثم وقفنا أمام تلك الشابيك مدة ساعتين ونصف تقريباً حتى نتمكن من إدخال الملابس والنقود (الكَنتِين)، مع أنه بمقدور المسؤول خلف تلك الشابيك أن يُنهي كل القصة بساعة واحدة فقط، ولكن مقصدهم هو الإذلال والإهانة ..!

وطبعاً لم يتم إدخال كل الملابس، وتم إرجاع الكثير منها بحجة “ممنوعات” ..!


  • مرحلة الزيارة …والاستعداد للدخول للزيارة

بعد الانتهاء من مرحلة الملابس والكنتين، جاء أحد الجنود ومعه قائمة بالأسماء، وقام بمناداة الأسماء وتوزيع أرقام تحتوي على أحرف ( a-b-c ) كل حرف يعني فوج من أفواج الزيارة، وكنّا نحن ضمن الفوج الثاني، على الرغم من أننا حصلنا على الرقم (a) …..!!!

( كمان عشان الحظ الحلو 😂.. الحمد لله المهم نزور ☺)

وبعد أن أخذنا الأرقام الخاصة بنا، بدأنا بالاستعداد للزيارة وترتيب أنفسنا وترتيب ملابس أطفالنا وتمشيط شعورهم وتعطيرهم بأجمل الروائح، حتى يرانا أسرانا الأحبة بأجمل وأبهى صورة.. ( كنا نزبط حالنا وأولادنا لدرجة  اللي يشوفنا يفكر إنا رايحين على مقابلة مهمة أو يفكر أنه اليوم يوم العيد J )


  • مرحلة التفتيش الأخيرة قبل الزيارة …

بعد عناء ومشقة الرحلة، وطول ساعات الانتظار.. جاء أحد الجنود ونادى على الأسماء التي تحمل الرمز ( a ) ، فأسرعنا جميعاً، ودخلنا إلى منطقة تفتيش جديدة، ومررنا على بوابة التفتيش بعد قيامنا بخلع الأحذية وترك أي شيء معدني في الخارج، ( واللي حظه حلو هون عاد خليه يزمر عليه الجهاز، لإنه هون فش ( معّاطة ) هون في ( تشليح ) رسمي …!  وصارت مع ناس للأسف😞 ..!

وبعد المرور من تلك البوابة، دخلنا إلى غرفة تفتيش مغلقة بها مجندات، كانت تمسك جهاز للفحص وتمرره على أجسادنا، ( هون إذا رن الجهاز عليك مصيبة لإنه ماضل شي يرن ..!!)

وبعد الانتهاء من كل هذه المراحل الصعبة دخلنا إلى قاعة انتظار، وجلسنا إكثر من نصف ساعة بانتظار اكتمال المجموعة ..!


  • دقّت ساعة الزيارة …ودقّت قلوبنا معها .💓💓💓

بعد انتظار طويل.. جاء دورنا بالزيارة، وحضرَ أحد الجنود وفتح البوابة المؤدية إلى قاعة الزيارة..

فركضنا جميعاً وتسابقنا في الدخول إلى القاعة، وكنا نبحث بلهفة عن أسرانا، الذين كانوا بانتظارنا على أحر من الجمر ويجلسون على مقاعد خلف زجاج عازل للصوت، وبعد أن وجدناهم جلسنا كلُّ مع أحبته بانتظار فتح الصوت في أجهزة السماعات، وكانت أعيننا في تلك اللحظات تقول كل شيء ..!

وبعد مرور بعض الوقت.. قاموا بفتح الصوت في السماعات، وبدأت الزيارة  التي تمنينا أن لا تنتهي أبداً، ولم نشعر بذلك الوقت كيف انقضى بلمح البصر .. !

فهو وقت قصير جداً لا يكفي ولا يُقارن أبداً بمشاق وطول فترة الرحلة.. فمدة الزيارة المخصصة ( ٤٥) دقيقة فقط …!!!

 

المهم تطمنا عليهم وشفناهم .. الحمد لله ❤(


 

    • أسرى بدون زوار ..!

عندما كنا نجلس في الزيارة والكل مشغولون بالحديث مع أحبائهم الأسرى، كان هناك أسير يجلس خلف الزجاج وحيداً حزيناً شارد الذهن وعيناه مليئة بالحزن وليس أمامه أحد يزوره..! هذا الأسير ليس وحيدا وليس فاقدا لأهله، بل ركب أهله مع الزوار في باصات الزيارة ولكنهم عند وصولهم إلى المعبر مُنعو من الدخول وسُحِبت منهم تصاريح الزيارة من قبل جنود الاحتلال اللعين، وأخبروهم أنهم ممنوعين من الزيارة لأسباب أمنية ..!

فعادو أدراجهم خائبين يبكون بسبب القهر والظلم بعد أن كانت قلوبهم تطير فرحاً للقاء أحبتهم في السجون ..


  • انتهاء الزيارة …

فرقٌ كبير ..بين تلك المشاعر التي يحملها أهل الأسير قبل دخولهم إلى الزيارة، وبين المشاعر التي يخرجون بها بعد انتهاء الزيارة ..!!

فقبل دخولهم تظهرُ عليهم مشاعر الفرح والسعادة واللهفة والشوق والحنين، وتتسارع خطواتهم ويتسابقون عند فتح البوابة للدخول الى قاعة الزيارة في مشهدٍ تتجسد فيه كل معاني الشوق والحنين للقاء الأحبة …

ولكن بعد مرور ( ٤٥) دقيقة وهي المدة المسموح بها للزيارة، تجدهم يخرجون بخطوات بطيئة جداً وكأن على رؤوسهم الطير، وتكسو ملامحهم مشاعر الحزن والألم، وتملأ أعينهم الدموع على فراق أحبتهم الذين تركوهم ورائهم خلف جدران السجون ..!!!

 

زيارة سجن النقب.. كانت زيارة شاقة ومتعبة وطويلة..

ولكن كل شيءٍ يهون مقابل رؤية الأحباب والاطمئنان عليهم .. الحمد لله

هذه ليس قصتي وحدي.. بل هي قصة الكثير من زوجات الأسرى وأمهاتهم وذويهم، قصةٌ تتكرر تفاصيلها في كل مرة زيارة للأسير.. ومؤكد أن لكل زيارة تفاصيل إضافية وأحداث جديدة، لكنها جميعها تحمل نفس الألم ونفس المعاناة ..

نسأل الله أن يمن بالفرج القريب على جميع أسرانا البواسل في سجون الاحتلال الصهيوني، وأن يجمع شملهم بذويهم وأحبتهم، ويعوضهم بالخير الكثير والأجر الكبير عن سنين العذاب والحرمان ..

 

قلم :حنين عمر البنا / زوجة الأسير المحرر أحمد عواد

رسم: رسامة الأسرى إلهام نزال / وزوجة الأسير المحرر محمد نزال

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.