ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

وجاءَ شعبان

وجاء شعبان

إنها الأيام تحث السير مسرعة ، وتمضي الشهور تتبعها الشهور ، وهي الدقائق الغالية  لحياتنا القصيرة التي تمضي بنا نحو مالنا المحتوم ، وما يكاد ينتهي موسم من مواسم الخير إلا ويلوح في الأفق موسم اخر ، مضى رجب وهو من الأشهر الحُرم  الذي قال فيهن ابن عباس : (جعل الله الذنب فيه أعظم ، وجعل العمل الصالح والأجر اعظم ) وها نحن نستقبل شهر شعبان ، وهو شهر له خصوصيته في شريعة الإسلام، فقد اختصه النبي عليه الصلاة والسلام  بعبادة على بقية الشهور  وهو الشهر الذي تم تحويل القبلة فيه من (الذي باركنا حوله) الى(للذي ببكة مباركا )

ولعل من أبرز الأحاديث التي وردت في فضل شعبان ما أخرجه الإمام أحمد والنسائي من حديث أسامة بن زيد قال : ( لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يصوم من الشهور ما يصوم من شعبان فقلت : يارسول الله ، لم أرك تصوم  من الشهور ما تصوم من شعبان قال ذلك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال الى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم))  فتخصيص النبي عليه والصلاة والسلام لشهر شعبان للإكثار من صيام النافلة فيه لهي ميزة يُختص بها هذا الشهر على بقية الشهور ، وإن كان ثمة خلاف بين أهل اعلم عن أفضل صيام النافلة من بين الشهور ، بين قائل أنه صيام شهر الله المحرم واخر صيام شعبان ، لقوله عليه الصلاة السلام  في حديث اخر عندما سُئِل  أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ قال أفضلُ الصيام بعد شهر رمضان صيامُ شهرِ الله المحرَّم))؛ صحيح أبي داود. وعلماء الأصول أن السنة القولية مقدمة على السنة العملية عند التعارض ، ذلك أن السنة القولية تشريع للأمة يحمل صفة العموم أما السنة العملية فقد يرد عليها من الخصوصية ما يرد  ، وللإعتبارات الطارئة التي تحول دون تطبيق السنة القولية أحيانا أو دون ورودها إلينا ، ولكن يبقى فضل الصيام في شعبان ثابت بالاحاديث الصحيحة

ولقد علل النبي عليه الصلاة والسلام الإكثار من صيامه في شعبان كما ورد في الحديث المذكور بمسألتين ، الأولى قال : هوشهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان ، وفي هذا دلاله على فضل العبادة في الأوقات المغفول عنها ، فمن ينخلع من بيئة الجهل بتميزه العلمي  فذلك التفرد المحمود ، ومن يُشعل نبراس الجهاد والمقاومة في أزمنة الخيانة فتلك الفرادة التي ترفع لها القبعات إجلالا ، ومن ينتصر للعقيدة والمبدأ في مراحل الميوعة والتحلل فتلك هي الميزة الحقة ، من يلتزم بدينه وشريعة ربه في معمعة الشهوات والشبهات وانفلاتها فهو كالقابض على الجمر وحق أن يقبل رأسه ويديه ، ولذا فالبحث عن مواطن الغفلة لإحيائها رفعا لراية الصحوة ومنارة الهدى  لعمري لهُو نهج خير الورى  ، فالصيام في رمضان ستجد لك فيه  أعوانا ، أما في غيره  لا بد من عزيمة أصلب ونية أثبت ، والعلة الثانية التي ذكرها عليه الصلاة والسلام  أنه شهر ترفع فيه الأعمال الى الله فقال ( وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)  واختصاصه من بين الشهور لترفع فيه الاعمال  ميزة إضافية  يتسابق فيها أهل الوعي والفهم عن رسولهم بالاقتداء، حتى يكونوا فيه على أكمل الأحوال  ، وفي حديث اخر يذكر النبي عليه الصلاة والسلام تعليلا اخر لفضيلة الصوم في شعبان ، أنه مقدمة رمضان فكما أخرج البخاري من حديث أنس أنه سُئل صلى الله عليه وسلم أي الصوم أفضل فقال :(شعبان تعظيما لرمضان)

ولقد شاع عند الناس  أفضلية صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته ، وبالتأكيد أن صيام يوم النصف من شعبان وما بعده حاله كبقية الشهر إلا ما ذكره أهل العلم من عدم الوصل برمضان وتجنب صيام يوم الشك ،   فضلا عن كونه اليوم الثالث من الأيام البيض ، والتي يُستحب صيامها ، أما تخصيص قيام ليلة النصف من شعبان من دون الليالي فلا دليل عليه يصح ، وقد ورد في فضل هذه الليلة حديث رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه وحسنه الألباني في صحيح الجامع عن معاذ بن جبل ( يطلع الله الى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن)

وقد شهد شهر شعبان حادثة تحويل القبلة الى الكعبة المشرفة بعد أن صلى المسلمون ما يقارب الستة عشر شهرا بعد الهجرة قبل بيت المقدس ، وبعد أن ترسخت مكانة القدس والمسجد الأقصى المبارك في قلوب الصحابة  حيث تُرجم ذلك فتحا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وجاء التحويل امتحانا لأهل الايمان و لتكون قبلتهم الى المكان الوسط لأمة وسطا (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى  الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم )

وأخيرا يبقى شعبان مقدمة رمضان ، محطة التنقية والتصفية والتخلية قبل التحلية ، محطة إزالة التشاحن والبغضاء وتجديد التوبة لله  استعدادا لإستقبال الفيوضات الربانية في الشهر المبارك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.