ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

فلسطين.. تحت الحكم الإسلامي والعثماني والانتداب البريطاني

لم يكن الفتح العربي الإسلامي لفلسطين من أجل التوسع أو نشر النفوذ، أو إقامة الإمبراطوريات، إنما كان بدوافع دينية لنشر دين الله، وتخليص الشعوب المغلوبة على أمرها، ويبدو ذلك بكل وضوح في عدم تعرض مدن فلسطين إلى أي تدمير عند فتحها.

فلسطين في عهدة الفاتحين
استطاعت الموجة العربية الإسلامية القادمة من الجزيرة العربية، في القرن السابع الميلادي تحرير بني قومها من سيطرة البيزنطيين، ومن ثم تعزيز الوجود العربي فيها، ورفده بدماء عربية جديدة، حيث سبقتها الموجات العربية القديمة، من أنباط حوالي 500 ق.م.، وآراميين حوالي 1500 ق. م.، وأموريين، وكنعانيين حوالي 3000 ق.م.
وقد تم فتح فلسطين من قبل المسلمين، ابتداء من 634 للميلاد. في 636 م، وقعت معركة اليرموك بين المسلمين والروم البيزنطيين في وسط بلاد الشام، انتصر فيها المسلمون. وفي عهد عمر بن الخطاب والفتوحات الإسلامية، أرسل عمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح لفتح فلسطين عامة ونشر الدعوة الإسلامية فيها، لكن القدس عصت عليهم ولم يتمكنوا من فتحها لمناعة أسوارها، حيث اعتصم أهلها داخل الأسوار. وعندما طال حصار المسلمين لها، طلب رئيس البطاركة والأساقفة، المدعو “صفرونيوس”، طلب منهم أن لا يسلم القدس إلا للخليفة عمر بن الخطاب بشخصه، فكان الفتح العمري لبيت المقدس.
كتب عمر مع المسيحيين وثيقةً عُرفت باسم “العهدة العمرية” وهي وثيقة منحتهم الحرية الدينية مقابل الجزية، وتعهد بالحفاظ على ممتلكاتهم ومقدساتهم.
وبعد أن فُتحت بلاد الشام، قسمت إلى مقاطعات عدة دُعي كل منها “جُنداً” وهي تعني المحافظات العسكرية. وكانت منطقة فلسطين واقعة ضمن جند فلسطين وجند الأردن، وهما من بين خمسة أجناد تابعة لولاية الشام. كانت الأجناد الأخرى هي جند قنسرين وجند دمشق وجند حمص.

الأمويون والعباسيون
في عام 661 م ومع اغتيال الخليفة علي بن أبي طالب، أصبح معاوية بن أبي سفيان بلا منازع خليفة العالم الإسلامي بعد أن توج في القدس. كان مسجد قبة الصخرة، الذي أنجز بناؤه في 691، العمل المعماري الأكبر في العالم والأول من نوعه في العمارة الإسلامية. تم استبدال الحكم الأموي من قبل العباسيين عام 750، وأصبحت بعدها الرملة المدينة الرئيسية والمركز الإداري للقرون التالية، كما أصبحت طبريا مركزا مزدهرا للمنح الدراسية للمسلمين.

العهد الفاطمي
ابتداء من 878 م، حُكمت فلسطين من مصر، مع تمتعها بحكم ذاتي شبه مستقل لقرن تقريبا. في العهد الفاطمي، اجتيحت المنطقة في 970 بجيش من البربر في الغالب، وهو التاريخ الذي يصادف بداية الفترة المتواصلة من الحروب بين القبائل التي دمروت الكثير من مدن البلاد.
في عام 1073 تم السيطرة على فلسطين من قبل الإمبراطورية السلجوقية الكبرى، إلا أن استعادها الفاطميون عام 1098، ثم فقدوها لصالح الصليبيين في 1099 الذين غزوا فلسطين في حملات مختلفة وأسسوا فيها مملكة بيت المقدس.
استمرت سيطرتهم على القدس ومعظم فلسطين قرن تقريبا حتى هزيمتهم على يد قوات صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين عام 1187.
بعد ذلك، تمت السيطرة على معظم فلسطين من قبل الأيوبيين. بقيت الدولة الصليبية تنازع في المدن الساحلية الشمالية لمدة قرن من الزمان. قاد الحملة الصليبية الرابعة مباشرة إلى انهيار الإمبراطورية البيزنطية، والحد بشكل كبير تأثير المسيحية في جميع أنحاء المنطقة.

العهد المملوكي
في العهد المملوكي كانت فلسطين إحدى إقطاعيات الظاهر بيبرس. وفي عام 1260 تحديدا، شهدت منطقة عين جالوت الواقعة بين بيسان وجنين واحدة من المعارك الفاصلة في التاريخ، حيث تعد معركة عين جالوت من أهم المعارك في تاريخ العالم الإسلامي، انتصر فيها المسلمون المماليك انتصارا ساحقا على المغول وكانت هذه هي المرة الأولى التي يهزم فيها المغول في معركة حاسمة منذ عهد جنكيز خان.
أدت المعركة لانحسار نفوذ المغول في بلاد الشام وخروجهم منها نهائيا وإيقاف المد المغولي المكتسح الذي أسقط الخلافة العباسية سنة 1258م. في 1486، اندلعت أعمال القتال بين المماليك والأتراك العثمانيين في معركة للسيطرة على غرب آسيا، وقد سيطر العثمانيون بعدها على فلسطين وكل بلاد الشام في 1516.

الدولة العثمانية
مع مطلع هذه الفترة التي انتهى فيها الحكم المملوكي، وانضوت فلسطين وكل بلاد الشام في إطار الدولة العثمانية التي دام حكمها قرابة الأربعة قرون. امتد سلطان الدولة العثمانية المتمركزة في إسطنبول على البلقان والأناضول خلال قرنين من الحروب والتوسع.
وفي ظل هذه القوة المركزية والبارزة في المنطقة بدأ تزايد الصراع على النفوذ بين ثلاثة قوى هي الدولة العثمانية والدولة الصفوية الناشئة في تبريز، والمماليك من جهة ثالثة، ففي آب/ أغسطس (1514 م) كانت الموقعة الأولى الفاصلة بين الدولة العثمانية بزعامة “سليم الأول” والدولة الصفوية بزعامة “الشاه إسماعيل” في (جالديران) قرب (تبريز) وانتصر فيها العثمانيون بفضل فعالية السلاح الناري الذي كانوا يتفوقون في استخدامه. وبعد عامين هزم العثمانيون المماليك في موقعة حاسمة في (مرج دابق) قرب حلب في (23 آب/ أغسطس 1516 م)، وكان ذلك نهاية السلطة المملوكية باحتلال العثمانيين لمصر.

سليمان القانوني
وفي نفس العام دخل سليم الأول بلاد الشام دون أدنى مقاومة وذلك لكره الشاميين للمماليك في ذاك الوقت من جهة، وخوفهم من العثمانيين من جهة أخرى. وبعد موت “سليم” تولى السلطة ابنه “سليمان” (1520 -1566 م) والذي لُقب بسليمان القانوني نظراً لكثرة القوانين التي أصدرها في شؤون تنظيم الدولة. وفي عهده بلغت الإمبراطورية العثمانية مبلغها في الاتساع والازدهار، وامتدت على ثلاث قارات، كما ورثت الخلافة العباسية والإمبراطورية البيزنطية وأصبحت اسطنبول مركزاً للعالم الإسلامي وانبعاث الحضارة الإسلامية من جديد.
ولكن بعد اكتشاف أمريكا ورأس الرجاء الصالح وبداية النهضة الأوروبية بدأ مركز القوة يتحول إلى الغرب.

حملة نابليون
ولقد ترك العثمانيون أثرا كبيرا في ازدهار فلسطين، حيث ازدادت أهمية موانئها على أيامهم، وانشأوا المدارس والمساجد والكنائس والحمامات والأسواق والسرايا وغيرها من الأبنية الحكومية والخاصة، وخاصة في مدن القدس، عكا، يافا، نابلس، جنين، وبيت لحم.
تعد حملة نابليون على مصر وبلاد الشام بداية الصراع الاستعماري الأوروبي لاحتلال أقطار الوطن العربي في أعقاب الثورة الصناعية في أوروبا. فقد توجه نابليون بونابرت بحملته إلى بلاد الشام بعد انتصاره على المماليك ودخوله القاهرة في (21 تموز/ يوليو 1798).
اقتصرت حملة نابليون بونابرت على فلسطين، ولم تتجاوز الشريط الساحلي منها سوى منطقة الناصرة – طبرية، حيث هزمت الجيش العثماني، وبدأت الحملة باحتلال منطقة قطبة على الحدود مع الشام في 1798 في سيناء ثم قلعة العريش، وبعد ثلاثة شهور أخذت الحملة بالتراجع إلى مصر بعد فشلها في احتلال عكا في 1799.
وفي السنوات الأخيرة من العهد العثماني، كانت فلسطين من الناحية الإدارية تقع في قسمين إداريين: الأول هو متصرفية القدس الشريف المرتبطة بوزارة الداخلية في استانبول، وكانت أقضية بئر السبع والخليل وغزة ويافا تابعة لها بالإضافة إلى بيت لحم. والثاني: شمال فلسطين الذي كان يتبع لواءين: سنجق نابلس ومن أعماله طولكرم وجنين وطوباس وبيسان، وسنجق عكا، ومن أعماله صفد وطبرية والناصرة وحيفا. أما من الناحية العسكرية، فكانت فلسطين جزءًا من القيادة العسكرية العامة لسورية.
وكان سنجق عكا سنجق عثماني يقع في ولاية بيروت. تمتد حدوده بين سنجق حوران ونهر الأردن شرقاً والبحر المتوسط غرباً، وسنجق نابلس شمالاً وسنجق بيروت جنوباً. اقتطع سنجقا عكا ونابلس من ولاية سوريا وألحقا بولاية بيروت عام 1888.

الانتداب البريطاني على فلسطين
الانتداب البريطاني على فلسطين أو الاحتلال البريطاني لفلسطين كان نظام السلطة على فلسطين والأردن لما يزيد على عقدين ونصف ابتداء من 1920 وبالحدود التي قررتها بريطانيا وفرنسا بعد سقوط الدولة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى وبموجب معاهدة سيفر.
في 1917 احتلت القوات البريطانية المتجهة من مصر جنوبي بلاد الشام من الدولة العثمانية، وفرضت عليها حكما عسكريا. في 9 ديسمبر 1917 دخل قائد القوات البريطانية الجنرال أدموند أللنبي مدينة القدس، مما أثار مشاعر الابتهاج في أوروبا إذ وقعت القدس تحت السيطرة المسيحية لأول مرة منذ أكتوبر 1187.
كانت بريطانيا وفرنسا قد اتفقت على تقسيم بلاد الشام بينهما في اتفاقية سرية في 16 مايو 1916. في هذه الاتفاقية وعد الجانبين جعل منطقة فلسطين (من بئر السبع جنوبا إلى عكا شمالا تقريبا) منطقة دولية، ولكن بعد انتهاء الحرب ندمت بريطانيا على هذا المبدأ من الاتفاقية إذ أرادت إنشاء معبر متواصل بين الخليج العربي وميناء حيفا.
في أبريل 1920 اجتمع مندوبو “دول الاتفاق” المنتصرة في الحرب العالمية الأولى في مدينة سان ريمو الإيطالية، بما يسمى مؤتمر سان ريمو، ليقرروا الشكل النهائي لتقسيم الأراضي المحتلة من الدولة العثمانية. في هذا المؤتمر اتفق المجتمعون على منح منطقة فلسطين لبريطانيا رغم المتفق عليه سابقا. كان التعامل التجاري في هذا المنطقة يتم بالجنيه المصري في بداية الانتداب، لكنه سرعان ما تم تشكيل مجلس يعمل عمل البنك المركزي في إصدار العمل المحلية سمي بمجلس فلسطين للنقد، والذي بدوره قام بإصدار أول عملة فلسطينية عام 1927 وهي الجنيه الفلسطيني. والذي اعتمد في جميع أرجاء فلسطين حتى مطلع الخمسينات، بما في ذلك شرق الأردن التي كانت أراضيها جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية وتعرف بصحراء فلسطين والتي سرعان ما نالت استقلالها عن بريطانيا وخروجها من دائرة الانتداب في عام 1946 حيث تم إعلان المملكة الأردنية الهاشمية وعاصمتها عمّان، وكان هذا قبل عامين فقط من خروج آخر جندي بريطاني من القدس وإعلان اليهود قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين – أو ما يصطلح عليه بالنكبة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.