ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

“الإسلام السياسي”.. ازدواجية المصطلح وإشكالية التطبيق

برز اصطلاح “الإسلام السياسي” كأحد تجليات مشاركة الإسلاميين في العملية الديمقراطية المؤدية إلى السلطة بُعيد “الربيع العربي”، فتم التواضع على هذا الاصطلاح لأول مرة، لكن الغريب أن تداوله كان يتم وما يزال ضمن سياق منفِّر يرى فيه الشانئون تعارضًا بين الدين والسياسة، فهل الأمر على هذا النحو، وبمعنى أدق: هل ينفصل الدين عن السياسة؟

علاقة الدين بالسياسة
للإجابة عن هذا التساؤل لا بد من إعادة ضبط وتحرير المصطلحين “الدين” و”السياسة”، فإذا عُلم أن مقاصد الشريعة هي حفظ الدين والعقل والنفس والمال، وجب التسليم بأن الدين يسوس أمور الدنيا والدين معاً في حياة الإنسان.
وكان الإمام الماوردي يؤكد أن “مهمة الدولة خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا”.
ولقد ميز الطرطوشي بين الأحكام والسياسة فقال: “الأحكام تتعلق بالحلال والحرام في البيع والنكاح والطلاق، والسياسة: تتعلق بالتزام تلك الأحكام والذب عنها”.

فصل الدين عن السياسة
دعا العلمانيون إلى أطروحة فصل الدين عن السياسة باعتبارهما ليسا واحدًا، والحق أنه لا خير في “فصلهما” عن بعضهما؛ ذلك أن الصواب هو في “التمييز” بينهما مع بعضهما، فلن يصح فصل السياسة عن القيم والأخلاق، وتركها فريسة الأهواء وأنواع الدجل والكذب، أو عزلها عن حقائق العدل والمساواة وحب الخير للناس ومراعاة مصالحهم.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتصرف بوصفه نبيًا، ويتصرف بوصفه رئيسًا للدولة، فإذن ينبغي التمييز بين كونه نبيًا، وبين كونه حاكمًا، فضلًا عن أنه لا يمكن فصل الدين عن السياسة في أي مجتمع من المجتمعات؛ لأن “الدين حاضر لدى الفرد المنتمي إلى المجتمع حاضر في لا وعيه وفي ثقافته التي تشربها، وكذلك يطرح الدين قيم نبيلة كالعدل والمساواة والحرية والشورى وغيرها وما ينتظره الدين من الناس المؤمنين به هو أن تنعكس هذه القيم المعيارية في علاقاتهم الدنيوية وفي عملهم السياسي، فالدين مبدأ موجه للسياسة وروح دافعة وقوة للأمة جامعة، فالدين يحقق مصالح الآخرة والسياسة تحقق مصالح الدنيا”.

ضرورة التمايز
يقول د.سعد الدين العثماني: “إن استيعاب العلاقة الحركية والمتجددة بين الدين والسياسة يؤدي إلى الوعي بضرورة التمايز بينهما، دون أن يتطور ذلك إلى تنابذ وتنافر، مما هو مساعد لتأسيس تجربة حضارية جديدة للمجتمعات الإسلامية، ويمكن أن ينتج عن هذا إعادة تأسيس العلاقة بين الدعوي والسياسي داخل الحركة الإسلامية بما يزيد عطاءها الفكري والحضاري وكسبها السياسي والاجتماعي ثراء وتجذراً”.

ازدواجية التسمية
يعيش الفرد المسلم في حالة توهان فكري إزاء ما يتلقاه ويجده من هجوم على ما يسمى “الإسلام السياسي”؛ ذلك أن أول ما يتبادر إلى الذهن فور تداول التسمية هو الإساءة للإسلام، لكن نظرة تفكر وتجرد تطيح بكل هذه الوساوس الإنسانية التي يبثها المبغضون للإسلام.
وهنا يلح سؤال قوي: إذا كان المصطلح التركيبي “الإسلام السياسي” يؤشر على تصرف الدين بالسياسة، فلماذا لم نسمع عن “المسيحية السياسية” على الرغم من أن لدى برلمانات العالم أعضاء مسيحيين يستندون إلى عقيدة دينية في إدارة الحركة السياسية كالإنجيليين مثلًا؟
لماذا لم نسمع عن “اليهودية السياسية”؟ لماذا لم نسمع عن “السيخية السياسية” أو “البوذية السياسية”؟

الحركة الصهيونية
يقول الدكتور عبد الستار قاسم: “لقد بدأت الحركة الصهيونية قومية، ولم تجد مفرا أمامها إلا أن تستعمل الديانة اليهودية لتشجيع اليهود على الانضمام إليها والهجرة إلى فلسطين. لقد وجدت الحركة الصهيونية أنها غير قادرة على التمدد بدون عنصر ديني يتغلغل في طرحها الفكري، فوقف رجال الدين اليهود إلى جانب الحركة الصهيونية واستعملوا طاقاتهم الدينية ومفاهيمهم وتعاليمهم لدفع اليهود إلى فلسطين”.
ويشير قاسم إلى أن الأحزاب الدينية الصهيونية تستحوذ الآن في فلسطين على قوة سياسية كبيرة، وأحيانًا كثيرة تدعم تشكيل حكومة أو تسقط أخرى.
“ولولا قوة الأحزاب الدينية لما استطاعت الحكومة الحالية البقاء؛ فقوة حكومة الكيان الصهيوني تنبع أولا من قوة الأحزاب الدينية التي تؤمن بأن فلسطين هي الأرض المقدسة ومخصصة لليهود فقط، وأن الفلسطينيين مجرد دنس ونجس ويجب طردهم من الأرض المقدسة”، يضيف قاسم.

الكيل بمكيالين
وبعد أن نرى هذا الازدواج والكيل بمكيالين بين وصف كل مشروع إسلامي للحكم بـ”الإسلام السياسي”، في حين تجري الإشاحة عن هذه التسمية حين يكون مشروع الحكم مقدمًا من مسيحيين أو يهوديين.
إنه المكيال نفسه الذي سوغ للغرب إطلاق لفظ “الإرهاب” على كل ما صدر عن مسلم، في حين أن مجازر المدارس الثانوية في أمريكا مثلًا توصف بغير الإرهاب، إذن.. المراد هو الإساءة للإسلام.
“فهل الإسلام هو الذي يقيم معايير سياسية مختلة، أم إن الاختلال يأتي من جهات فكرية وأيديولوجية ودينية متعددة؟”، يتساءل قاسم.
ويبقى السؤال الهام: لقد شهدنا على المستوى العالمي الرأسمالية السياسية والشيوعية السياسية، لكننا لم نشهد الخطاب التنفيري من هذه الاتجاهات بل شهدناه فقط بشأن الإسلام؛ فلماذا يحق للغير تسييس أفكارهم ومناهج حياتهم والترويج لها.. ولا يحق ذلك للمسلمين؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.