إشراقات سياسية

الاعتقال السياسي.. جاءت به أوسلو وأطال عمره الإقصاء

شهدت فلسطين المحتلة، أول حملة اعتقال سياسي؛ (اعتقال يتم على خلفية التوجه أو الانتماء السياسي ولا يُوجه فيه لائحة اتهام واضحة ولا يوجد له سند في القانون)، في الـ 14 من آب/ أغسطس عام 1994، وقد استمرت بين جزر ومد حتى بدء انتفاضة الأقصى (28 أيلول/ سبتمبر 2000)، وتواصل هذا النوع من الاعتقال بشكل متقطع، وكانت أبرز سماته؛ إغلاق الجمعيات أو السيطرة عليها،واعتقال “سياسي” واحتجاز “تعسفي” بدعوى الحماية من قوات الاحتلال الإسرائيلي.

وقد أتت بالاعتقال السياسي؛ الذي طال شرائح مختلفة من الشعب و”المعارضة”؛ الأسرى المحررين وطلاب الجامعات والقيادات السياسية والنقابية والنساء (سواء بالاعتقال أو الاستدعاء للتحقيق).. اتفاقية “أوسلو” المشؤومة التي وُقعت في 13 أيلول/ سبتمبر 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وتل أبيب.

حيث لم تعرف فلسطين، الاعتقال السياسي، إلا بعد أن جاءت اتفاقية أوسلو؛ التي نصت من بين ما نصت عليه، أن من تُريده سلطات الاحتلال وتستطيع السلطة اعتقاله يجب أن يُعتقل، وهو ما تذرعت به الأوساط السياسية فيما بعد بأنه “حماية” لأبناء المقاومة.

تلك الحماية سريعًا ما تحولت إلى استهداف سياسي، وجنّدت له الأذرع المُمارسة له شرائع “قانونية” وأوجدت له أسبابًا؛ منها حماية “الأمن العام”.. وتاريخيًا فإن الدولة تُجنِّد من أجل تحقيق هدفها (محاربة المعارضة)، وجعله ضرورة تفرضها المرحلة؛ الإعلام والقضاء و”السحيجة”.

والمعتقل السياسي؛ هو كل فرد اعتقل بسبب معارضته للنظام في الرأي أو المعتقد أو الانتماء أو تعاطفه مع معارضي النظام ومساعدتهم.. وهو يؤدي في جوهره إلى “الاعتقال التعسفي” والذي يؤدي إلى الحرمان من الحرية ويكتسي صبغة تعسفية كلما تم خارج الأحوال والأشكال المنصوص عليها قانونيًا وفي المواثيق الدولية.

ويهدف الاعتقال السياسي في أي دولة لـ “القضاء” على الخصوم أو “إضعافهم” للحد الذي يصبحون فيه غير قادرين على المعارضة أو مقارعة الجهة الحاكمة.. وعبر ذلك تُنفذ الجهة الحاكمة سياساتها والاستراتيجية التي تُخطط لها في كافة النواحي، لا سيما السياسية، دونما معارضة، بعدما تكون قد فرضت في البقعة التي تحكم حالة من الشرذمة والاحتكار للسياسات وتشريعها.

وهو (الاعتقال السياسي)، محاولات لقتل الروح الوطنية والمقاومة الرافضة للاحتلال (محليًا)، والسياسات الجائرة أو التفرد في الحكم و”تهميش” الآخر (محليًا وعربيًا)، لدى الشرائح التي يطالها من المعارضة.

ويتم تنفيذه عادةً من قبل السـلطات بحـق أفـراد أو جماعات على خلفية المواقف السياسـية المعارضـة أو الانتماءات الحزبيـة أو التنظيميـة المعارضة، عبر مخالفة واضحة لمبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسـان.

ووفق القانون الدولي؛ فإن الاعتقال السياسي “إجراء محظور” في جميع المعاهدات والاتفاقات الدولية ومواثيق حقوق الإنسان.. ووطنيًا، هو اعتقال خارج عن القانون وتعسفي، يعتبر مسًا خطيرًا بالدستور والتفاف على المواثيق الدولية والقوانين الوطنية.

ويُعرّف مركز “القدس” للمساعدة القانونية، الاعتقال السياسي على أنه احتجاز تعسفي؛ وهو حرمان الأشخاص من حريتهم الشخصية بشكل مخالف لنص وروح القوانين الفلسطينية والدولية؛ وعلى رأسها القانون الأساسي الفلسطيني في المواد (11-14)، والتي أكدت حق الفرد في الحماية من تقييد حريته أو حبسه إلا بأمر قضائي ووفقًا لأحكام القانون، وقانون الإجراءات الجزائية رقم (3) لسنة 2001، التي كفلت ضمانات محاكمة عادلة للمحتجزين (كالحصول على لائحة اتهام، ومحام من اختيارهم، ومدة الاحتجاز المسموح بها…الخ)، وفي حال تم تقييد الحرية بطريقة مخالفة لمواد هذه القوانين فإن هذا الاحتجاز يندرج ضمن ما يعرف بالاحتجاز التعسفي.

وأوضح المركز الحقوقي أن صدور المرسوم الرئاسي رقم (28) لسنة 2007 بخصوص اختصاص القضاء العسكري في حالة الطوارئ، قد ساعد في تسهيل الاحتجاز التعسفي.

حيث جمد المرسوم المواد (101) و(107) من القانون الأساسي الفلسطيني، في مخالفة واضحة لمبدأ تدرج القاعدة القانونية المعمول بها في الأراضي الفلسطينية. وعلى أرض الواقع، قد أدى الاعتقال السياسي إلى زيادة الهوة بين الفصائل الفلسطينية من جهة، وبين الشعب والسلطة الحاكمة من جهة أخرى، بالإضافة لتشتيت أوصال الشعب الفلسطيني وتمزيق العلاقات الاجتماعية.. ولم يُحافظ على الوطن أو مقوماته، التي هي أساسًا في جُلّها تخضع لسلطات الاحتلال.

ومن وجهة نظر وطنية، الاعتقال السياسي ظاهرة مُسيئة للشعب الفلسطيني؛ وتحديدًا أن الشعب ما زال يرزح تحت الاحتلال، وقد ساهمت تلك الظاهرة في تفتيت النسيج الاجتماعي والوطني وأوصال الفلسطينيين.. ومن الجيد التأكيد على أن الاعتقالات السياسية لا تخدم المصلحة الفلسطينية الوطنية، وهي خدمة مجانية للاحتلال الذي يستغل تلك الاعتقالات لـ “إثارة الفتنة” وتغذية الخلاف بين الفلسطينيين، عبر اعتقال كل من يُفرج عنه من سجون أمن السلطة.

وقد شددت العديد من الجهات الحقوقية والسياسية، على أن مبررات وأسباب الاعتقال السياسي “واهية، ولا أساس لها من الصحة”، عدا عن أن التهم الموجهة للمعتقل على خلفية سياسية لـ “تضليل القضاء، ويُبرر احتجازهم لمدة أطول”.

وفي أحدث إحصائية حول الاعتقالات السياسية، قالت “لجنة أهالي المعتقلين السياسيين” في الضفة الغربية المحتلة، إن أجهزة أمن السلطة اعتقلت 97 مواطنًا خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر آذار/ مارس الماضي. وأوضحت أن غالبية الاعتقالات التي أعقبت خطاب رئيس السلطة، محمود عباس، في اجتماع للقيادة الفلسطينية بتاريخ 19 آذار/ مارس الماضي، استهدفت أسرى محرّرين أُفرج عن بعضهم بعد فترة من الاعتقال، فيما يتواصل اعتقال الباقين على خلفية انتماءاتهم السياسية ودون أي تهمة. ويعتبر الاعتقال السياسي أيضًا انتهاكًا لمبدأ التعددية السياسية وحرية تشكيل الأحـزاب والـذي يعد من أهم مبادئ الديمقراطية.

ويتناقض مع مشروع القانون الأساسي الفلسطيني لعام 1996 الـذي أقره المجلس التشريعي آنذاك بالقراءات الثلاث. وقد تضمنت وثيقة إعلان الاستقلال الصادرة عـن المجلـس الوطني الفلسطيني في دورته الـ 19 المنعقدة في الجزائر عام 1988 “أن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا، فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق وتصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسـانية، فـي ظـل نظـام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب في ظل دستور يؤمن بسيادة القانون والقضاء المستقل”.

ومن الواجب التأكيد على أن الاعتقال السياسي، ليس وليد الانقسام الداخلي الفلسطيني؛ والذي بدأ في منصف حزيران/ يونيو 2007، وقد مارسته السلطة الفلسطينية منذ التسعينيات ضد عناصر المقاومة الفلسطينية والتنظيمات التي كانت تُعارض سياستها؛ لا سيما حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية.

ويستخدم هذا النوع من الاعتقال، الذي ازدادت نسبته في الآونة الأخيرة، من قبل السلطات في الضفة الغربية، كورقة للضغط على الخصوم السياسيين ومحاولة ابتزازهم للحصول على انجازات وتنازلات مجانية في الحياة السياسية الداخلية على الساحة الفلسطينية. وفلسطينيًا يعتبر “خرقًا خطيرًا” للدستور الذي نص في المادة “37” منه على تمتع جميع المواطنين بحرية التعبير عن الرأي، كما نص في المادة “54” على أن لكل مواطن فلسطيني حق لإسهام في الحياة السياسية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق