اشراقات أدبية

براعة العربية

بقلم: عبد الرحمن نجم

مر الفرزدق بحي من أحياء العرب، فسمعهم ينشدون بيتًا لذي الرمة فسجد، فقالوا: ما هذا يا شاعر العرب؟! قال: والله إني لَأَعلم موضع السجد من الشعر، كما تعلمون موضع السجدة من القرآن.

توضح هذه الحكاية جانبًا هامًا من سحر اللسان العربي في أنفس العرب، فالوثنيون العرب لم يكونوا عبدة أوثان وحسب، بل كانوا أيضًا عبدة بيان يتعبدونه بألسنتهم، ولا يجورون في الحكم عليه للشعراء والخطباء.

ذلك أنهم أُوتوا مقدرة عجيبة على تذوق البيان العربي منحتهم القدرة على تمييز الكلام وتصريف البيان، فكان الواحد فيهم ما إنْ يصرف همه إلى الكلام تأتيه المعاني أرسالًا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالًا من غير مكابدة ومشقة وإنما ارتجال وكأنه إلهام!

ولقد نعلم أن معجزة النبي من الأنبياء إنما كانت من جنس ما اشتهر به أهل ذلك الزمان؛ ليُعْذر الله إلى الناس من أنفسهم، فكانت عصا موسى في العصر الذهبي للسحر أيام الفراعنة، وكان إبراء الأكمه والأبرص لمن رفعه الله إليه في عصر الطب، فلما حان خروج نبي آخر الزمان محمد صلى الله عليه وسلم كان القرآن العظيم معجزته الخالدة، وقيده البعض –أعني القرآن- بكونه معجزةً سُقِطَ في أيدي بُلغاء العرب وفصحائها الإتيان بمثله ومعارضته على عربية ألفاظه؛ إذ كان مجرد سماعه كما يقول العلامة محمود شاكر حُجة تُلزم الإيمان به.

وقد قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “تعلموا العربية؛ فإنها تُثَبِّت العقل، وتَزيد في المروءة”؛ ذلك أن العربية قَيَّدت مكارم العرب وأخلاقهم، فضلًا عن أنها وعاء الدين، بالقرآن والأشعار السائرة والأمثال المضروبة، ومعلوم أن العرب خير الأمم في زمانها، ولذا اجتباها الله لحمل أمانة آخر الرسالات السماوية، فمن هذا الوجه أَسْقَطَ العِلْم بالعربية إلينا الحالة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية لذلك العصر بمحامدها ومساوئها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق