ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

في ذكرى هدم الخلافة .. الخلافة التي نريد

تطل علينا هذه الأيام ذكرى قيام (أتاتورك) بإلغاء (الخلافة) وطرد الخليفة العثماني وعائلته، وهي ذكرى أليمة أسقطت قلعة كان المسلمون يأملون أن توفر لهم الوحدة والحماية، وانتهت بتلك الحادثة مرحلة وصفتها الأحاديث النبوية بأنها مرحلة الملك العضوض (الوراثي) في تاريخ الأمة.

ولا شك أن كل مسلم صادق (يتطلع) إلى عودة (الخلافة) التي تسير على منهاج النبوة وتجمع شتات المسلمين في دولة واحدة، ويؤمن بأن ذلك حاصلٌ لا محالة؛ لأنه وعد الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

ولكن صورة الخلافة المنشودة أصابها بعض الغبش بسبب سوء عرض بعض الذين (ينظّرون) لفكرتها، وللمساهمة في توضيح الصورة وإزالة بعض هذا الغبش ينبغي علينا الوقوف عند بعض الأفكار الأساسية المتعلقة بفكرة (دولة الخلافة).

الخلافة نظام وليست شخصًا

البعض يختزل (الخلافة) في (شخصٍ) يريدونه اسمه (الخليفة)، فتراهم يتضرعون إلى الله تعالى أن يبعث لهم (خليفة) يحلُّ مشاكل الأمة، ويعيد لها عزّتها، ويتوعدون الأعداء بأنه إذا جاء (الخليفة) فإنه سيفعل ويفعل ويفعل، ويغيب عن هؤلاء أن الخلافة (نظامٌ) وليست (شخصًا)، ومصطلح (الخلافة) مشتقٌّ من كون هذا النظام سائرًا على منهج النظام النبوي، يخلفه في القيام بما أوجبته الشريعة، فهو نظام يسير وفق منهج النبوة، وعليه فلو جاء رجلٌ قوي وتمكن من الحكم وأعلن نفسه (خليفة) للمسلمين فإنه لن يفلح في حلّ مشاكل الأمة وقيادتها نحو الرفعة ما لم تسانده قوى المجتمع حوله، وهنا نستذكر أن عليًا رضي الله عنه لم يستطع حلَّ المشاكل التي أحاطت به، ليس لضعف فيه ولا لانعدام الخبرة، حاشاه ذلك، ولكن لأن كثيرين من الذين كانوا حوله (أركان نظامه) لم يكونوا مساعدين له على ذلك، وقد كان يشكو من عصيانهم فيقول لهم: (أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان)، ووضح ذلك بقوله (لا رأي لمن لا يطاع).

وقد روي أن أحد أتباعه سأله، فقال: يا أمير المؤمنين، ما بال أبي بكر وعمر انطاع الناس لهما، والدنيا عليهما أضيق من شبر فاتسعت عليهما ووليت أنت وعثمان الخلافة ولم ينطاعوا لكما، وقد اتسعت فصارت عليكما أضيق من شبر؟

فقال له عليٌّ رضي الله عنه: لأن رعية أبي بكر وعمر كانوا مثلي ومثل عثمان، ورعيتي أنا اليوم مثلك وشبهك!

الخلافة مضمون وليست شكلًا أو اسمًا

وهناك من يركّز على اسم (الخلافة) بدون أن يقترن ذلك عنده ببيان المضامين المستهدفة، وهذا التركيز على الاسم ترك عند كثيرين من عامّة الناس انطباعًا يجعل أهمية (اسم) النظام الذي نريده أكثر من أهمية (مضمونه)، وكأني بهؤلاء الذين يركّزون على (الاسم) ويهملون الحديث عن (المضمون) قد ظنّوا الاسم أمرًا مقدّسًا.

لقد جاءت الأحاديث التي وردت فيها الألفاظ المتعلقة بالخلافة، مثل: (خلافة) و(خليفة) و(خلفاء) في سياق يوحي بأن المقصود منها الوصف والإخبار، لا إنشاء اسم يلزم المسلمين استخدامه ولا يجوز لهم مخالفته، وليس معنى كلامي أن نعزف عن استخدام مصطلح (الخلافة) و(الخليفة)، فهو مصطلح استخدمه الرسول صلى الله عليه وسلم، بل المقصود بيان جواز استخدام لفظ آخر لوصف من يتولى الإمامة في الدولة الإسلامية.

ويبقى المهم أن تكون حقيقة من يتولى أمر الأمة موافقة لما يريده الله منه، من إقامة شرع الله، وشرع الله لا يقتصر على إقامة الحدود، والتي رغم أهميتها ليست سوى جزءٍ صغير من شرع الله تعالى، والذي يندرج تحته العناوين الكبرى لمقاصد الشريعة، كإقامة العدل، ونشر الإحسان، وتكريم الإنسان، والحفاظ على الحرية.

الخلافة لا تعني أن المشاكل سيتم حلها بكبسة زر

وبعض الذين يتمحور حديثهم عن (الخلافة)، يوهم حديثهم – بقصد منهم أو بغير قصد – أن مشاكل الأمة ستحل كلها عند إعلان دولة الخلافة، فالأمة ستنتصر، وتعود لها عزتها، وينتعش اقتصادها، ويزول الفقر بين أبنائها، ويعيش أهلها في رخاء وسعادة وراحة بال … الخ.

ولا شكَّ أن ذلك – كله أو بعضه – يمكن أن يحدث، ولكن ليس لمجرد إعلان دولة تسمى دولة الخلافة، بل سيحدث عندما تقوم تلك الدولة وتأخذ بالأسباب التي جعلها الله طريقًا للوصول إلى هذه النتائج.

ونريد هنا أن لا ننسى أن الأمة مرّت بمراحل عديدة كانت تحت نظام (الخلافة) ولكنه لم يكن نظام الخلافة الراشدة التي على منهاج النبوة، فتعرضت لهزائم وانتكاسات، وتشرذمت وسيطر الأعداء على مناطق شاسعة منها، وانتشر الفقر عندما كان من يزعمون أنهم (خلفاء) يتعاملون مع أموال الأمة كأنها ميراث آبائهم.

وحتى في زمن الخلافة الراشدة، فقد كانت الأمة تمرُّ بمراحل معاناة وشظف ومكابدة، كما حدث في عام الرمادة عندما انتشر القحط أثناء خلافة عمر، وهذه الأمور من الأمور الطبيعية في هذه الدنيا التي جعلها الله دار امتحان وابتلاء، لا دار استقرار وجزاء.

يجب أن يكون هدفنا الأول عندما نسعى لإعادة إحياء الخلافة أن نطيع أوامر الله تعالى، التي فرضت علينا أن تكون حياتنا كلها سائرة وفق منهجه الذي شرعه لنا، بما فيها نظام الحكم وأمور السياسة، أما أن نروّج لفكرة أن الهدف استجلاب المنافع الدنيوية فإننا سنقع في ورطة حيت تقوم تلك الدولة، ويجد العامة من الناس أنها لم تحقق لهم (الجنة) التي وعدوا بها، وهي لن تحقق ذلك في بداياتها؛ لأنها ستكون منشغلة في تثبيت أركانها ومحاربة أعدائها.

 

متى سقطت الخلافة

والنقطة الأخيرة والمهمة في هذا السياق أن البعض يركّز على أن الخلافة سقطت عندما ألغاها (أتاتورك) وطرد الخليفة العثماني، ويساهم الاحتفاء بذكرى سقوط الخلافة هذه الأيام في ترسيخ هذا المفهوم، والذي يوحي لبعض المتصيّدين أن الخلافة التي يسعى إليها العاملون للإسلام هي نسخة من نموذج الدولة العثمانية أو الدول التي سبقتها كدولة العباسيين والأمويين، وهنا لا بدّ من طرح هذا التساؤل: متى سقطت الخلافة؟

ولمعرفة الجواب، فإن خير من يخبرنا عنه هو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، فقد أخبرنا في حديث صحيح ذكر فيه المراحل التي سيمر بها الحكم في الأمة الإسلامية، وكانت وفق ذلك الحديث بعد مرحلة الـ (نبوّة):

  • خلافة على منهاج النبوة
  • يتلوها مُلكٌ عاضٌّ، أو عضوض، وهو الملك الوراثي.
  • يتلوه ملكٌ جبريٌّ، أي (ديكتاتوي)
  • يتلوه خلافة على منهاج النبوة

وبين لنا في حديث آخر صحيح مدة (الخلافة) التي تسير على منهاج النبوة، فقال صلى الله عليه وسلم: (خلافةُ النُّبوَّة ثلاثونَ سنةَ، ثم يؤتي الله المُلكَ من يشاء).

وفي رواية أخرى للحديث (إسنادها حسن) قال صلى الله عليه وسلم: (الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وسائرهم ملوك).

وقد نقل ابن حبان عن أبي حاتم الرازي قوله: “مَنْ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ سَنَةً يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: خُلَفَاءُ أَيْضًا عَلَى سَبِيلِ الِاضْطِرَارِ، وَإِنْ كَانُوا مُلُوكًا عَلَى الْحَقِيقَةِ”.

فالخلافة التي نريد إحياءها، والتي وُعدنا بأنها ستقوم ليست هي التي سقطت قيل نحو (100) سنة، بل هي تلك التي سقطت سنة (41 هـ)، وما بعدها من دول تسمى خلافة على سبيل الاضطرار كما قال أبو حاتم الرازي.

إن الأنظمة التي حكمت الأمة بعد الخلفاء الراشدين كأنظمة العثمانيين وقبلهم العباسيين والأمويين، رغم أنها كانت لها أعمال صالحة، ورغم أنها خير من الأنظمة التي تحكمنا بما لا يقاس، ليست هي الصورة التي نتطلع إليها، إننا نريد خلافة راشدة على منهاج النبوة، ولا نريد نظامًا غير ذلك، وللأسف فإن تكرار الترويج للجانب الإيجابي في ذلك النظام، وهو جانب لا ننكره، دون التنبيه إلى الانحراف الذي كان عن منهج الشريعة قد يترك أثرًا سلبيًّا لدى النخبة المثقفة المطلعة على التاريخ حين تسأل نفسها: هل الذي نسعى إليه هو إحياء نظام فيه كل تلك السلبيات؟!

الوضوح مع النفس، والتفكير بعقلانية، وعدم الانسياق وراء العواطف المجرّدة أمر مهمٌّ لنهتدي الطريق الأقوم في سيرنا لإعادة بناء دولة الخلافة واستئناف الحياة الإسلامية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.